الصفحة 5 من 9

إننا نرى أن توضيح الأمر بالصورة السالفة أمر بالغ الأهمية في مثل الظروف التي يعيشها المسلمون في هذا العصر وذلك لسببين رئيسين.

أما السبب الأول: فهو أننا في عصر ترك فيه أكثر المسلمين الجهاد في سبيل الله، وصار قادتهم يهرولون نحو صلح ذليل مع عدو سلب الأرض وهتك العرض، ويسمون ذلك سلامًا، ويعلنون في كل حين أن ذلك السلام هو خيارهم الوحيد، فكان من مقتضى النصح للأمة تعريف المسلمين بأن الأصل هو قيامهم بواجب الجهاد، وأن عدم القيام به هو الاستثناء الذي لا يكون إلا لعارض يجب السعي الحثيث في إزالته، وأنه لا يجوز أن تصبح مقولة إننا في عصر استضعاف مشجبًا يعلق عليه المسلمون تقصيرهم وإهمالهم في القيام بما أوجبه الله عليهم من الجهاد والإعداد له.

وأما السبب الثاني: فهو أن فكرة القول بعدم النسخ في مراحل الجهاد قد صارت تكأة يتكيء عليها بعض أصحاب الآراء الباطلة والأفكار المبتدعة التي راجت في هذا العصر.

1)فمن تلك الآراء الباطلة القول بأن الإسلام لا يعرف الحرب والقتال إلا على سبيل الدفاع، وأصحاب هذا القول يقفون عند الآيات التي تقصر القتال على من قاتلنا غير عابئين بما استقر عليه أمر القتال كما أسلفناه، ومن أصحاب ذلك القول من يستند إلى فكرة عدم النسخ في إثبات هذا الزعم الفاسد.

ومن هؤلاء الدكتور وهبة الزحيلي حيث تبنى في كتابه (آثار الحرب في الفقه الإسلامي) القول بأن القتال في الإسلام مشروع للدفاع فقط، وقد سلك في سبيل تقرير ما ذهب إليه مسالك عجيبة (1) ، منها اللجوء لفكرة القول بعدم النسخ في مراحل الجهاد، فهو يقرر أن آيات القتال كلها محكمة ولا داعي للقول بوجود النسخ فيها، ويستشهد في ذلك بقول السيوطي في النسء وعدم النسخ، ويخلص من ذلك إلى أن الحكم المأخوذ من آيات القتال يتحدد بحسب ما ورد في سبب نزولها (2) ، وبناء عليه يفسر آيات سورة التوبة تفسيرًا دفاعيًا عجيبًا فهو يقول إنها (( تقرر حكم الذين لا عهد لهم فإذا نقضوا العهد فعلًا أو حكمًا بأن انتهى عهدهم فتوثبوا للقتال، فيجب حربهم حتى يعودوا إلى عقد معاهدة مع المسلمين يدفعون بموجبها عوضًا ماليًا(الجزية) نظير حمايتهم واشتراكهم في الانتفاع بالمرافق العامة واطمئنان المسلمين من جانبهم ))ويقول: (( ويمكن التوفيق - كما لاحظ بعض العلماء - بين هذه الآيات وآية البقرة وهي {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} بأن آية البقرة مقيدة وهذه الآيات مطلقة عن التقييد، والمطلق يحمل على المقيد ولا موجب لتقرير تعارض الآيات مع بعضها حيث لا يتعذر الجمع بينها، أما القول بنسخ المطلق للمقيد ففيه تمزيق لمحكم القرآن وخروج ببعض آياته عن الحكم الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته في القتال، والمعنى أن مشروعية القتال تفهم في ضوء الآيات جميعها، ومنها يفهم أن القتال لدفع العدوان فقط ) ) (3) .

وليس المقام هنا مقام الرد على شبهات القائلين بأن القتال شرع في الإسلام لدفع العدوان فقط (4) ، وإنما المقصود بيان كيف استغلت فكرة القول بعدم النسخ لترويج معنى باطل لا يمكن أن يخطر للزركشي ولا السيوطي على بال.

وكذلك يقول الدكتور سعيد رمضان البوطي في كتابه عن الجهاد بعدم النسخ، ثم يعتمد على ذلك في الوصول إلى أمور مخالفة لما جاءت به النصوص واستقر عليه إجماع السلف؛ فهو يقول: (( أهم ما يجب ملاحظته والعمل على أساسه في هذا الذي أقول: ضرورة ربط كل من هذه الحلقات المتواصلة من أنواع الجهاد - على صعيد التطبيق - بمثل المناخ الذي نشأ فيه وتسبب عنه، ذلك لأن المعاني التي ذكرناها للجهاد لم تكن أطوارًا تتقلب شرعة الجهاد خلالها لتستقر عند آخر طور لها كما هو الشأن في تحريم الخمر مثلًا، وإنما هي عبارة عن شرائع جهادية متعددة تنفذ كل شرعة منها في حالاتها وظروفها الملائمة ... ) ) (5) .

وبناء على ذلك فإنه ينبغي معرفة السبب الذي لأجله منع القتال في العهد المكي، وهو يرى أن ذلك السبب هو أنه لم تكن للمسلمين في مكة دولة بينما اكتملت لهم في العصر المدني فقط مقومات الدولة بالمعنى السياسي الحديث: أي الأرض والشعب والسلطة الحاكمة (6) .

ثم يتوصل من ذلك إلى أن الجهاد لم يشرع إلا على سبيل الدفاع فهو يقول تحت عنوان (الجهاد إنما شرع دفاعًا عن شيء موجود) : (( ونعني به الجهاد القتالي، وذلك لأن هذا النوع من الجهاد لم يشرعه الله عز وجل إلا بعد أن أورث الله عباده المسلمين أرضًا ودولة وبعد أن مكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم متمثلًا في شرعة سائدة ونظام سلطوي ... وهذا يعني أن المسلمين أصبحوا بذلك مُلاكًا لثروة تفوق في الأهمية ثروة الكنوز والأموال، ولا شك أن هذه الثروة ستثير طمع كثير من الأعداء بها أو تخوفهم منها، ومن ثم فإن من المتوقع أن يتحول الطمع إلى هجوم ابتغاء اقتناص هذه الثروة أو القضاء عليها، وهذا ما قد جرى في صدر الإسلام بعد استقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة المنورة فقد تألبت قوى الشر عليه وعلى من معه من المسلمين ... وعندئذٍ ولهذا السبب شرع الله لهم الجهاد القتالي ليدافعوا به عن الحق الذي متعهم الله به وملكهم إياه، ونظرًا إلى أن هذا الحق لم يكن موجودًا بحوزتهم من قبل فإن هذا النوع من الجهاد أيضًا لم يكن مشروعًا آنذاك، فهذا معنى قولنا: إنما شرع الله الجهاد دفاعًا عن شيء موجود ... ولكن ما الذي يجب أن نبنيه على هذه الحقيقة الواضحة؟ إن الذي يجب أن نبنيه عليها هو أن الجهاد القتالي لم يشرع يومًا لإيجاد هذا الحق، أو هذه الثروة من العدم فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في سبيل الحصول على دار إسلام ولم يقاتل في سبيل بناء دولة إسلامية أو إيجاد حشد من المسلمين تتألف منهم تلك الدولة، ويتحقق بهم نظامها، وإنما قاتل بعد أن منحه الله كل ذلك حراسة له ودفاعًا عنه ) ) (7) .

ومعنى ذلك أن الدكتور البوطي قد استغل فكرة القول بعدم النسخ لإثبات منهجه الباطل في أن الجهاد لم يشرع في الإسلام إلا من أجل الدفاع.

كما توصل من ذلك أيضًا إلى قول باطل آخر وهو أن الجهاد لم يشرع لإيجاد الدولة المسلمة، بل شرع فقط للدفاع عنها حين توجد، ومعنى أنه لا يشرع الجهاد لإيجاد الدولة أنه حين يُفقد النظام الإسلامي بأن يكفر الحاكم ويسوس الناس بغير شرع الله أنه لا يجوز القتال لإعادة دولة الإسلام، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد شرع منابذة الحكام بالسيف إن بدا منهم كفر كما في حديث عبادة بن الصامت: ( ... وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان) (8) .

وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (9) .

ولا شك أن من إعلاء كلمة الله إيجاد دولة للمسلمين يحكمون فيها بشرع الله عز وجل.

2)ومن الأفكار الباطلة التي اعتمدت على فكرة عدم النسخ ما يقول به بعض من كانوا يسمون بجماعات التوقف الذين يقولون إننا نعيش في عصر استضعاف كالعهد المكي فيجب علينا أن (( نأخذ الأحكام على مراحل كما كان متبعًا في أول الإسلام، وهو البدء بما نزل في مكة بالنسبة لعهد الاستضعاف الذي نعيش فيه حاليًا، فإذا تمكنت الجماعة من الوصول إلى السلطة وحكمت بالإسلام أخذت بما نزل في المدينة في عهد التمكين وأما العصر الذي نعيش فيه فهو عصر استضعاف فلا تحرم المشركات ولا الذبائح [أي ذبائح المشركين] ولا تجب صلاة الجمعة ولا العيدين ولا يجوز الجهاد بل يجب كف الأيدي وعدم رد العدوان وغير ذلك من الأحكام التي لم تنزل إلا بالمدينة في عهد التمكين ) ) (10) .

وهم يعتبرون ذلك جزءًا من العقيدة (( فيكفر من أنكر مراحلها، وبالتالي يكفر من لجأ إلى القوة في عهد الاستضعاف، ولهذا كان منهم من صرح برأي خاص في كفر الشهيد سيد قطب لأنه في نظرهم شرع في الأخذ بالقوة ... ) ) (11) .

3)وشر من هذه البدعة بدعة المدعو محمود طه السوداني - الذي قتل في عصر النميري - والذي كان يزعم أيضًا أننا ملزمون فقط بالقرآن المكي ويسميه قرآن الأصالة، وعليه فلا زكاة الآن ولا جهاد، والخمر ليست حرامًا والأصل هو سفور المرأة لا حجابها وغير ذلك من الأباطيل (12) .

4)وكذلك مما له صلة بما ذكرنا ما يروجه بعض المبطلين من محاولة قصر تطبيق الأحكام الشرعية على مثل الجو الذي شرعت فيه ويقدحون في قاعدة (( أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) )، وأبرز من تولى كبر ذلك منهم المدعو سعيد العشماوي الذي يقول بما يسميه وقتية الأحكام فيرى مثلًا أن الحجاب شُرع في الإسلام لأن النساء في عصر التنزيل كن يخرجن لقضاء حاجتهن في الخلاء بسبب عدم وجود كُنف في البيوت وكان بعض الفجار يتعرضون للنساء حال خروجهن لظنهم أنهن إماء فشرع الحجاب تمييزًا للحرائر عن الإماء ويقول في ذلك: (( فالزي من ثم كان إجراء مؤقتًا لعدم وجود دورات للمياه في المنازل واضطرار الحرائر المؤمنات إلى الخروج إلى الصحراء بعيدًا عن المدينة لقضاء الحاجة وتعرض بعض الفجار لهن ... وإذا كان الفقهاء يقولون إن الحكم يرتبط بالعلة وجودًا وسببًا فإن زوال العلة في الحكم السابق ووجود دورات مياه في المنازل وعدم التعرض لأنثى بناء على زي أو غير زي ذلك مما يعني زوال الحكم بزوال سببه فهو حكم وقتي مرتبط بظروف معينة ومنوط بوضع خاص ومتى تغيرت الظروف تعين وقف الحكم ) ) (13) ، وهو يرى أيضًا أن نظام الميراث الإسلامي إنما جاء بهذه الصورة ليناسب عصر القبيلة الذي كان سائدًا وقت التنزيل، أما الآن فقد تغير الحال ووجب تغيير قواعد الميراث فلا يصح في نظره (( أن يرث الأخ أخاه، فيقاسم ابنته التركة لكل منهما نصفها مع أن هذا الأخ قد يكون مهاجرًا في أمريكا أو أستراليا لا يعرف ابنة أخيه ولا يلتزم حيالها بنفقة أو مراعاة كما كان الحال في عصر المدينة وفي نظام القبائل والعشائر ) ) (14) .

والمقصود أن أصحاب هذه الآراء الباطلة قد يجدون في فكرة القول بالنسء ما يلبِّسون به على من لا دراية له، إذ إن بين تلك الآراء وبين القول بالنسء تشابهًا من بعض الوجوه، ولذلك نرى أنه ينبغي سد هذا الباب بالرجوع إلى ما اتفق عليه أهل العلم من القول بالنسخ وطرح ما ذكره الزركشي والسيوطي من القول بالنسء خصوصًا وأن لهما قولًا آخر يوافق قول بقية أهل العلم.

والله أعلم.

(1) لعله من المناسب هنا أن أشير إلى أن من مسالكه في ذلك بتره لأقوال بعض العلماء عن سياقها لتخدم ما يريد الوصول إليه، ومثال ذلك أنه نقل في ص: 110 من كتابه عن ابن القيم قوله في الزاد: (( وفرض القتال على المسلمين لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} ) )، هذا ما نقله الدكتور الزحيلي من كلام ابن القيم، والنقل بهذه الطريقة يفيد فعلًا أن الإمام ابن القيم يقول بأن القتال للدفاع فقط، لكنا إذا رجعنا لأصل كلام ابن القيم رحمه الله فسنجده واضحًا صريحًا في خلاف ذلك القول، وأنا أنقل هنا نص كلامه رحمه الله ليتبين للقاريء صحة ما أقول، ذلك أنه رحمه الله قد ذكر - في سياق تقريره لمراحل الجهاد - مرحلة النهي عن القتال ثم مرحلة الإذن فيه ثم قال: (( ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة = =وكان محرمًا ثم مأذونًا به ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال ثم مأمورًا به لجميع المشركين، إما فرض عين على أحد القولين أو فرض كفاية على المشهور ) )ا. ه كلامه رحمه الله بحروفه من زاد المعاد (2/ 58) ، وهو كلام لن تجد أوضح منه في هدم فكرة الدفاع التي يدندن حولها كثير من المعاصرين، وللقاريء أن يقدر بعد ذلك مدى فداحة الخطأ الذي ارتكبه الدكتور الزحيلي في تحريفه لكلام ابن القيم وبتره من سياقه ليعطي نقيض ما أراده الإمام رحمه الله فإنا لله وإنا إليه راجعون.

(2) انظر آثار الحرب: (ص: 113) 114).

(3) المصدر السابق: (ص: 118) .

(4) قد بسطنا القول في رد تلك الشبهات في كتاب: (وقفات مع الدكتور البوطي في كتابه عن الجهاد) .

(5) الجهاد في الإسلام: (ص: 26) .

(6) انظر المصدر السابق ص: (74) 79).

(7) المصدر السابق ص: (196) 197).

(8) أخرجه البخاري: (7055) 7056) ومسلم (170) (ك الإيمان حديث(24) .

(9) أخرجه البخاري (123) ومسلم (1904) وأبو داود (2517) والترمذي (1646) والنسائي (6/ 23) وابن ماجه (2783) من حديث أبي موسى.

(10) الحكم وقضية تكفير المسلم للمستشار سالم البهنساوي ص: 29.

(11) المصدر السابق: نفس الموضع.

(12) راجع المصدر السابق ص: 32.

(13) معالم الإسلام لسعيد العشماوي نقلًا عن كتاب سقوط الغلو العلماني للدكتور محمد عمارة ص: 299.

(14) أصول الشريعة للعشماوي نقلًا عن المصدر السابق ص: 294.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت