فهرس الكتاب
ج / 6 ص -23- حبس أصلها لا يستلزم التأييد بل يحتمل أن يكون أراد مدة اختياره قال في الفتح ولا يخفى ضعف هذا التأويل ولا يفهم من قوله وقفت وحبست إلا التأييد حتى يصرح بالشرط عند من يذهب إليه وكأنه لم يقف على الرواية التي فيها حبيس ما دامت السموات والأرض . قال القرطبي راد الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه انتهى . ومما يؤيد هنا ما ذهب إليه الجمهور حديث"أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده في سبيل اللّه"وهومتفق عليه وقد تقدم في الزكاة ومن ذلك حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب إن قوله"صدقة جارية"يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز نقضه ولو جاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة وقد وصفه في الحديث بعدم الإنقطاع . ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم"لا يباع ولا يوهب ولا يورث"كما تقدم فإن هذا منه صلى اللّه عليه وآله وسلم بيان لماهية النحبيس التي أمر بها عمر وذلك يستلزم لزوم الوقف وعدم جواز نقضه وإلا لما كان تحبيسا والمفروض أنه تحبيص ومن ذلك حديث أبي قتادة عند النسائي وابن ماجه وابن حبان مرفوعا"خير ما يخلفه الرجل بعده ثلاث ولد صالح يدعو له وصدقة تجري يبلغه أجرها وعلم يعمل به من بعده"والجري يستلزم عدم جواز النقض من الغير ومن ذلك وقف أبي طلحة الآتي . وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم له"أرى ان تجعلها في الأقربين"وماروى من حديث أنس عند الجماعة أن حسان باع نصيبه منه فمع كونه فعله ليس بحجة قد روى أنه أنكر عليه ومن ذلك وقف جماعة من الصحابة منهم علي وأبو بكر والزبير . وسعيد وعمرو بن العاص . وحكيم بن حزام وأنس وزيد بن ثابت روى ذلك كله البيهقي ومنه أيضا وقف عثمان لبئر رومة ما في حديث الباب .
ـ واحتج ـ لأبي حنيفة ومن معه بما أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس"إن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لما نزلت آية الفرائض"لا حبس بعد سورة النساء"ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة ولا يحتج بمثله ويجاب أيضا بأن المراد بالحبس المذكور توقيف المال عن وارثه وعدم إطلاقه إلى يده وقد أشار إلى مثل ذلك في النهاية . وقال في البحر أراد حبس الجاهلية للسائبة والوصيلة والحام سلمنا فليس في أية ميراث منع الوقف لافتراقهما انتهى . وأيضا لو فرض أن المراد بحديث ابن عباس الحبس الشامل للوقف لكونه نكرة في سياق النفي لكان مخصصا بالأحاديث المذكورة في الباب ."
واحتج لهم أيضا على عدم لزوم حكم الوقف بما رواه الطحاوي وابن عبد البر عن الزهري"أن عمر قال لولا أني ذكرت صدقتي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لرددتها وهو يشعر بأن الوقف لا يمتنع الرجوع عنه وأن الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكره للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فكره أن يفارقه على أمر ثم يخالفه إلى غيره ويجاب عنه بأنه لاحجة في أقوال الصحابة وأفعالهم الا إذا وقع الإجماع منهم ولم يقع ههنا وأيضا هذا الأثر منقطع لان الزهري لم يدرك عمر فالحق أن الوقف من القربات التي لا يجوز نقضها بعد فعلها لا للواقف ولا لغيره وقد حكى في البحر عن محمد وابن أبي ليلى أن الوقف لا ينفذ الا بعد القبض وإلا فللواقف الرجوع لأنه صدقة ومن شرطها القبض ويجاب بأنه بعد التحبيس قد تعذر الرجوع"