فهرس الكتاب
ج / 6 ص -249- على ذلك ولعلها لم تبلغهما وحمل الحافظ كلامهما على ما إذا كانت الكراهة من قبل الرجل فقط ولا يخالف ذلك أحاديث الباب لأن الكراهة فيها من قبل المرأة وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كافٍ في جواز الخلع واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعًا وتمسك بظاهر الآية وبذلك قال طاوس والشعبي وجماعة من التابعين وأجاب عن ذلك جماعة منهم الطبري بأن المراد أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيًا لبغض الزوج لها فنسبت المخالفة إليهما بذلك ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم يستفسر ثابتًا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له .
قوله:"تتربص حيضة"استدل بذلك من قال إن الخلع فسخ لا طلاق .
وقد حكى ذلك في البحر عن ابن عباس وعكرمة والناصر في أحد قوليه وأحمد بن حنبل وطاوس وإسحاق وأبي ثور وأحد قولي الشافعي وابن المنذر وحكاه غيره أيضًا عن الصادق والباقر وداود والإمام يحيى بن حمزة وحكى في البحر أيضًا عن علي عليه السلام وعمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن علي والقاسمية وأبي حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وأحد قولي الشافعي أنه طلاق بائن . ووجه الاستدلال بحديث ابن عباس وحديث الربيع أن الخلع لو كان طلاقًا لم يقتصر صلى اللّه عليه وآله وسلم على الأمر بحيضة وأيضًا لم يقع فيهما الأمر بالطلاق بل الأمر بتخلية السبيل .
قال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير إنه بحث عن رجال الحديثين معًا فوجدهم ثقات واحتجوا أيضًا لكونه فسخًا بقوله تعالى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} ثم ذكر الافتداء ثم عقبه بقوله تعالى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } قالوا كان الافتداء طلاقًا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع . وبحديث حبيبة بنت سهل عند مالك في الموطأ أنها قالت للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: يا رسول اللّه كل ما أعطاني عندي فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لثابت: خذ منه فأخذ وجلست في أهلها ولم يذكر فيه الطلاق ولا زاد على الفرقة وأيضًا لا يصح جعل الخلع طلاقًا بائنًا ولا رجعيًا أما الأول فلأنه خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة .
واحتج القائلون بأنه طلاق بما وقع في حديث ابن عباس المذكور من أمره صلى اللّه عليه وآله وسلم لثابت بالطلاق وأجيب بأنه ثبت من حديث المرأة صاحبة القصة عند أبي داود والنسائي ومالك في الموطأ بلفظ:"وخل سبيلها"وصاحب القصة أعرف بها وأيضًا ثبت بلفظ الأمر بتخلية السبيل من حديث الربيع وأبي الزبير كما ذكره المصنف ومن حديث عائشة عند أبي داود بلفظ:"وفارقها"وثبت أيضًا من حديث الربيع أيضًا عند النسائي بلفظ:"وتلحق بأهلها"ورواية الجماعة أرجح من رواية الواحد وأيضًا قد روي عن ابن عباس هذا الحديث بدون ذكر الطلاق من طريقين كما في الباب وأيضًا ابن عباس من جملة القائلين بأنه فسخ ويبعد منه أن يذهب إلى خلاف ما يرويه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد حكى ذلك عن ابن عباس ابن عبد البر ولكنه ادعى شذوذ ذلك عنه قال: إذ لا يعرف أحد نقل عنه أنه فسخ وليس بطلاق إلا طاوس .
قال في الفتح: وفيه نظر لأن طاوسًا ثقة حافظ فقيه فلا يضر