فهرس الكتاب
ج / 7 ص -94- التوراة على أهلها ولم يحكم عليهم بحكم الإسلام وقد كان ذلك عند مقدمه المدينة وكان إذ ذاك مأمورًا بإتباع حكم التوراة ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف ونصب مثله في مقابلة أحاديث الباب من الغرائب وكونه صلى اللّه عليه وآله وسلم فعل ذلك عند مقدمه المدينة لا ينافي ثبوت الشرعية فإن هذا حكم شرعه اللّه لأهل الكتاب وقرره رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا طريق لنا إلى ثبوت الأحكام التي توافق أحكام الإسلام إلا بمثل هذه الطريق ولم يتعقب ذلك في شرعنا ما يبطله ولا سيما وهو مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزل اللّه ومنهي عن إتباع أهوائهم كما صرح بذلك القرآن وقد أتوه صلى اللّه عليه وآله وسلم يسألونه عن الحكم ولم يأتوه ليعرفهم شرعهم فحكم بينهم بشرعه ونبههم على أن ذلك ثابت في شرعهم كثبوته في شرعه ولا يجوز أن يقال أنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه لأن الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله وإنما أراد بقوله فإني أحكم بينكم بالتوراة . كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة إلزامهم الحجة .
وأما الاحتجاج بقوله تعالى {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} فغاية ما فيه أن اللّه شرع هذا الحكم بالنسبة إلى نساء المسلمين وهو مخرج على الغالب كما في الخطابات الخاصة بالمؤمنين والمسلمين مع أن كثيرًا منها يستوي فيه الكافر والمسلم بالإجماع ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن نساء الكفار خارجات عن ذلك الحكم فهذا المفهوم قد عارضه منطوق حديث ابن عمر المذكور في الباب فإنه مصرح بأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم رجم اليهودية مع اليهودي ومن غرائب التعصبات ما روي عن مالك أنه قال إنما رجم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اليهوديين لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه وتعقب بأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا أقام الحد على من لا ذمة له فلأن يقيمه على من له ذمة بالأولى كذا قال الطحاوي .
وقال القرطبي معترضًا على قول مالك: إن مجيء اليهود سائلين له صلى اللّه عليه وآله وسلم يوجب لهم عهدًا كما لو دخلوا للتجارة فإنهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم . وأجاب بعضهم بأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أمر برجمهما من دون استفصال عن الإحصان كان دليلا على أنه حكم بينهم بشرعهم لأنه لا يرجم في شرعهم إلا المحصن وتعقب ذلك بأنه قد ثبت في طريق عند الطبراني أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس وقد زنى رجل منهم بامرأة بعد إحصانهما . وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال:"زنى رجل وامرأة من اليهود وقد أحصنا"وفي إسناده رجل من مزينة لم يسم .
وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس:"أتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يهودي ويهودية قد أحصنا"وأخرج البيهقي من حديث عبد اللّه بن الحارث الزبيدي أن اليهود أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بيهودي ويهودية قد زنيا وقد أحصنا وإسناده ضعيف فهذا يدل على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد علم الإحصان بإخبارهم له لأنهم جاؤوا إليه سائلين يطلبون رخصة فيبعد أن يكتموا عنه مثل ذلك .
ومن جملة ما تمسك به من قال إن الإسلام شرط حديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا:"من أشرك باللّه فليس بمحصن"ورجح الدارقطني وغيره الوقف . وأخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده على الوجهين ومنهم من أوَّل الإحصان في هذا الحديث بإحصان القذف . ولأحاديث الباب فوائد ليس هذا موضع بسطها .