فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 2690

ج / 2 ص -42- الطحاوي سمعت بلالًا ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن جبر بن علي عن شيخ يقال له الحفص عن أبيه عن جده وهو سعد القرظ قال: أذن بلال حياة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ثم أذن لأبي بكر في حياته ولم يؤذن في زمان عمر وسويد بن غفلة هاجر في زمن أبي بكر . وأما ما رواه أبو داود من أن بلالًا ذهب إلى الشام في حياة أبي بكر فكان بها حتى مات فهو مرسل وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مدلس . وروى الطبراني في مسند الشاميين من طريق جنادة بن أبي أمية عن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى وفي إسناده ضعف . قال الحافظ: وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي وغيره انتهى . وحديث أبي محذورة حديث صحيح قاسه الحازمي في الناسخ والمنسوخ وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين وقال: هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي والنسائي ـ أقول: وقد ذكر الخلاف الحازمي في الناسخ والمنسوخ ودليل كل وأرجحية الحكم في ذلك قال ما حاصله: فذهبت طائفة إلى أن الإقامة مثل الأذان مثنى وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة واحتجوا في الباب بهذا الحديث أي حديث أبي محذورة قال:"وعلمني الإقامة مرتين مرتين اللَّه أكبر اللَّه أكبر أشهد أن لا إله إلا اللَّه أشهد أن لا إله إلا اللَّه"الخ وقد حسنه كما نقله الشوكاني عنه هنا ورأوه محكمًا وناسخًا لحديث بلال وذكره بسنده عن أنس"أنهم ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن ينوروا نارًا أو يضربوا ناقوسًا فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"هذا الحديث صحيح متفق عليه أخرجه مسلم في الصحيح من حديث وهب وأخرجاه من حديث عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء . قالوا: وهذا ظاهر في النسخ لأن بلالًا أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان على ما دل عليه حديث أنس وأما حديث أبي محذورة كان عام حنين وبين الوقتين مدة مديدة . وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم فرأوا أن الإقامة فرادى وإلى هذا المذهب ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري ومالك بن أنس وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه . وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومكحول والأوزاعي وأهل الشام . وإليه ذهب الحسن البصري ومحمد بن سيرين وأحمد بن حنبل ومن تبعهم من العراقيين . وإليه ذهب يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومن تبعهما من الخراسانيين وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس وقالوا: أما حديث أبي محذورة فالجواب عنه من وجوه نذكر بعضها: منها أن شرط الناسخ أن يكون أصح سندًا وأقوم قاعدة في جميع جهات الترجيحات على ما قررناه في مقدمة الكتاب . ونازعه في ذلك الشوكاني وغير خفي على من الحديث صناعته أن حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس في جهة واحدة في الترجيحات فضلًا عن الجهات كلها . ومنها أن جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة بدليل ما أخبرنا به وساق سنده إلى أبي محذورة"أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"ونحوه من الأحاديث .

ثم لو قدرنا أن هذه الزيادة محفوظة وأن الحديث ثابت ولكنه منسوخ وأذان بلال هو آخر الأذانين لأن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم لما عاد من حنين ورجع إلى المدينة أقر بلالًا على أذانه وإقامته . وعن الأثرم قال: قيل لأبي عبد اللَّه: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد اللَّه بن زيد لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة فقال: أليس قد رجع النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم إلى المدينة فأقر بلالًا على أذان عبد اللَّه بن زيد . وعن الخلال قال: أخبرني عبد اللَّه بن عبد الحميد قال: ناظرت أبا عبد اللَّه في أذان أبي محذورة فقال: نعم قد كان أبو محذورة يؤذن ويثبت تثنية أذان أبي محذورة ولكن إذ أن بلال هو آخر الأذان . وبهذا تعلم أن ما ذكره الشارح بعد إنما هو مأخوذ من الحازمي بدون عزو واللَّه أعلم ـ . وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة:"أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة"وهو حديث صححه الترمذي وغيره وهو متأخر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة لأنه بعد فتح مكة لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح وبلال أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان فيكون ناسخًا . وقد روى أبو الشيخ"أن بلالًا أذن بمنى ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ثم مرتين مرتين وأقام مثل ذلك"إذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها لما أسلفناه وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك . وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز إفراد الإقامة وتثنيتها قال أبو عمر ابن عبد البر: ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير قالوا كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم جمع ذلك وعمل به أصحابه فمن شاء قال اللَّه أكبر أربعًا في أول الأذان ومن شاء ثنى ومن شاء ثنى الإقامة ومن شاء أفردها إلا قوله قد قامت الصلاة فإن ذلك مرتان على كل حال انتهى .

وقد أجاب القائلون بإفراد الإقامة عن حديث أبي محذورة بأجوبة منها:

إن من شرط الناسخ أن يكون أصح سندًا وأقوم قاعدة وهذا ممنوع فإن المعتبر في الناسخ مجرد الصحة لا الأصحية ومنها أن جماعة من الأئمة ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة ورووا من طريق أبي محذورة أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة كما ذكر ذلك الحازمي في الناسخ والمنسوخ . وأخرجه البخاري في تاريخه والدارقطني وابن خزيمة وهذا الوجه غير نافع لأن القائلين بأنها غير محفوظة غاية ما اعتذروا به عدم الحفظ وقد حفظ غيرهم من الأئمة كما تقدم ومن علم حجة على من لا يعلم . وأما رواية إيتار الإقامة عن أبي محذورة فليست كروايته التشفيع على أن الاعتماد على الرواية المشتملة على الزيادة .

ومن الأجوبة أن تثنية الإقامة لو فرض أنها محفوظة وأن الحديث بها ثابت لكانت منسوخة فإن أذان بلال هو آخر الأمرين لأن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم لما عاد من حنين ورجع إلى المدينة أقر بلالًا على أذانه وإقامته . قالوا: وقد قيل لأحمد بن حنبل: أليس حديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت