الصفحة 16 من 57

هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ... إلَخْ, فَذَكَرَ النِّيَّةَ الْمَحْمُودَةَ بِالْهِجْرَةِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَطْ, وَالنِّيَّةَ الْمَذْمُومَةَ وَهِيَ الْهِجْرَةُ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ مَالٍ, وَهَذَا ذَكَرَهُ تَفْصِيلًا بَعْدَ إجْمَالٍ فَقَالَ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» , ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ» ... إلَخْ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَدْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ لِأَجْلِ امْرَأَةٍ كَانَ يُحِبُّهَا تُدْعَى أُمَّ قَيْسٍ, فَكَانَتْ هِجْرَتُهُ لِأَجْلِهَا, فَكَانَ يُسَمَّى مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ, فَلِهَذَا ذَكَرَ فِيهِ: «أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا- وَفِي رِوَايَةٍ- يَنْكِحُهَا» ؛ فَخَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ لِاقْتِضَاءِ سَبَبِ الْحَدِيثِ لِذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالسَّبب الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْعَامُّ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ, وَالْهِجْرَةُ فِي الظَّاهِرِ هِيَ: سَفَرٌ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ, وَالسَّفَرُ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نِيَّةِ صَاحِبِهِ؛ فَقَدْ يَكُونُ سَفَرًا وَاجِبًا كَحَجِّ أَوْ جِهَادٍ مُتَعَيَّنٍ, وَقَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا كَسَفَرِ الْعَادِي لِقَطْعِ الطَّرِيقِ, وَالْبَاغِي عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ, وَالْعَبْدِ الْآبِقِ, وَالْمَرْأَةِ النَّاشِزِ.

وَلِهَذَا تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَالْعَاصِي فِي سَفَرِهِ, فَقَالُوا: إذَا سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ جَازَ لَهُ فِيهِ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ, وَإِنْ عَصَى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ , وَأَمَّا إذَا كَانَ عَاصِيًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت