فَصْلٌ
في إنما الأعمال بحسب ما نواه العامل
وَلَفْظُ النِّيَّةِ يُرَادُ بِهَا النَّوْعُ مِنْ الْمَصْدَرِ, وَيُرَادُ بِهَا الْمَنْوِيُّ, وَاسْتِعْمَالُهَا فِي هَذَا لَعَلَّهُ أَغْلَبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ, فَيَكُونُ الْمُرَادُ: إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِحَسَبِ مَا نَوَاهُ الْعَامِلُ, أَيْ: بِحَسَبِ مَنْوِيِّهِ, وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِهِ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ, فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ؛ فَذَكَرَ مَا يَنْوِيهِ الْعَامِلُ وَيُرِيدُهُ بِعَمَلِهِ وَهُوَ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ لَهُ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ بِالْإِرَادَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَادٍ, وَلِهَذَا قَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ» [1] ؛ فَإِنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ, وَالْحَارِثُ: هُوَ الْعَامِلُ الْكَاسِبُ, وَالْهَمَّامُ: الَّذِي يَهُمُّ وَيُرِيدُ. قَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} ؛ فَقَوْلُهُ: «حَرْثَ الدُّنْيَا» أَيْ: كَسْبَهَا وَعَمَلَهَا, وَلِهَذَا وَضَعَ الْحَرِيرِيُّ مَقَامَاتِهِ عَلَى لِسَان الْحَارِثِ بْنِ هَمَّامٍ؛ لِصِدْقِ هَذَا الْوَصْفِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.
(1) رواه أحمد ج 4, ص 345, وأبو داود, كتابه الأدب, حديث رقم: 4949,ج 5, ص 236.