الصفحة 19 من 57

فَصْلٌ

في إنما الأعمال بحسب ما نواه العامل

وَلَفْظُ النِّيَّةِ يُرَادُ بِهَا النَّوْعُ مِنْ الْمَصْدَرِ, وَيُرَادُ بِهَا الْمَنْوِيُّ, وَاسْتِعْمَالُهَا فِي هَذَا لَعَلَّهُ أَغْلَبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ, فَيَكُونُ الْمُرَادُ: إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِحَسَبِ مَا نَوَاهُ الْعَامِلُ, أَيْ: بِحَسَبِ مَنْوِيِّهِ, وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِهِ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ, فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ؛ فَذَكَرَ مَا يَنْوِيهِ الْعَامِلُ وَيُرِيدُهُ بِعَمَلِهِ وَهُوَ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ لَهُ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ بِالْإِرَادَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَادٍ, وَلِهَذَا قَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ» [1] ؛ فَإِنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ, وَالْحَارِثُ: هُوَ الْعَامِلُ الْكَاسِبُ, وَالْهَمَّامُ: الَّذِي يَهُمُّ وَيُرِيدُ. قَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} ؛ فَقَوْلُهُ: «حَرْثَ الدُّنْيَا» أَيْ: كَسْبَهَا وَعَمَلَهَا, وَلِهَذَا وَضَعَ الْحَرِيرِيُّ مَقَامَاتِهِ عَلَى لِسَان الْحَارِثِ بْنِ هَمَّامٍ؛ لِصِدْقِ هَذَا الْوَصْفِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.

(1) رواه أحمد ج 4, ص 345, وأبو داود, كتابه الأدب, حديث رقم: 4949,ج 5, ص 236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت