فَصْلٌ
النيات: هل هي أضمار أو تخصيص
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» : هَلْ فِيهِ إضْمَارٌ أَوْ تَخْصِيصٌ؟ أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ؟ فَذَهَبَت طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى الْأَوَّلِ؛ قَالُوا: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّيَّاتِ الْأَعْمَالُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَجِبُ أَوْ تُسْتَحَبُّ, وَالْأَعْمَالُ كُلُّهَا لَا تُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا هَذِهِ النِّيَّاتُ؛ فَإِنَّ قَضَاءَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ مِنْ الغصوب وَالْعَوَارِي وَالْوَدَائِعِ وَالدُّيُونِ تَبْرئُ ذِمَّةُ الدَّافِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ , بَلْ تَبْرأُ ذِمَّتُهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ؛ كَمَا لَوْ تَسَلَّمَ الْمُسْتَحِقُّ عَيْنَ مَالِهِ, أَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ الثَّوْبَ الْمُودَعَ أَوْ الْمَغْصُوبَ فَأَوْقَعَتْهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ, وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: تَقْدِيرُهُ: إنَّمَا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا بِالنِّيَّاتِ, أَوْ: إنَّمَا تُقْبَلُ بِالنِّيَّاتِ, وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُهُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ الشَّرْعِيَّةُ, أَوْ إنَّمَا صِحَّتُهَا, أَوْ إنَّمَا إجْزَاؤُهَا, وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بَلْ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنِّيَّاتِ فِيهِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَحْدَهَا, بَلْ أَرَادَ النِّيَّةَ الْمَحْمُودَةَ وَالْمَذْمُومَةَ, وَالْعَمَلَ الْمَحْمُودَ وَالْمَذْمُومَ, وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِهِ: «فَمَنْ كَانَتْ