الصفحة 35 من 57

{وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ} . وَالْحَصْرُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْصُورٌ فِي الثَّانِي, وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعَكْسِ, وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ؛ وَهُوَ أَنَّ الثَّانِيَ أَثْبَتَهُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ غَيْرُهُ مِمَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ ثَابِتٌ لَهُ, وَلَيْسَ الْمُرَادُ أنَّك تَنْفِي عَنِ الْأَوَّلِ كُلَّ مَا سِوَى الثَّانِي؛ فَقَوْلُهُ: {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} أَيْ: إنَّك لَسْت رَبًّا لَهُمْ وَلَا مُحَاسِبًا وَلَا مُجَازِيًا وَلَا وَكِيلًا عَلَيْهِمْ؛ كَمَا قَالَ: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} , وَكَمَا قَالَ: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} , {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} ؛ لَيْسَ هُوَ إلَهًا وَلَا أُمُّهُ إلَهَةً؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا, كَمَا غَايَةُ مُحَمَّدٍ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا, وَغَايَةُ مَرْيَمَ أَنْ تَكُونَ صِدِّيقَةً.

وَهَذَا مِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّهَا نَبِيَّةٌ. وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ نُبُوَّةِ أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ابْنُ الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي الجويني وَغَيْرُهُمْ , وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} ؛ أَيْ: لَيْسَ مُخَلَّدًا فِي الدُّنْيَا لَا يَمُوتُ وَلَا يُقْتَلُ, بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا جَازَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُرْسَلِينَ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ, {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} , نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا قِيلَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ, وَتَلَاهَا الصِّدِّيقُ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت