الصفحة 40 من 57

تَجِبُ إعَادَتُهُ, فَهَكَذَا يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا يُنَاقِضُ أُصُولَ الْإِيمَانِ, فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَ إيمَانَهُ إمَّا بِالتَّوْبَةِ , وَإِمَّا بِالْحَسَنَاتِ الْمُكَفِّرَةِ. فَالْكَبَائِرُ يَتُوبُ مِنْهَا وَالصَّغَائِرُ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ, فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْبَطْ إيمَانُهُ جُمْلَةً. وَأَصْلُهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ؛ فَيَذْهَبُ بَعْضُهُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ, كَمَا فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ» [1] . وَلِهَذَا مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَفَاضَلُ وَيَتَبَعَّضُ, وهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.

وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا تَبَعُّضَهُ وَتَفَاضُلَهُ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: مَتَى ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ سَائِرُهُ, ثُمَّ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْإِيمَانِ, فَإِذَا ذَهَبَ بَعْضُ ذَلِكَ ذَهَبَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ؛ فَلَا يَكُونُ مَعَ الْفَاسِقِ إيمَانٌ أَصْلًا بِحَالٍ. ثُمَّ قَالَتِ الْخَوَارِجُ: هُوَ كَافِرٌ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَا مُؤْمِنٍ؛ بَلْ هُوَ فَاسِقٌ نُنْزِلُهُ مَنْزِلَةً بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ؛

(1) رواه البخاري معلقا في كتاب الإيمان, باب 33, ج 1, ص 127, فتح الباري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت