وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا تَبَدَّلَ بِخَمَّارَةٍ أَوْ صَارَ دَارَ فِسْقٍ أَوْ دَارَ ظُلْمٍ أَوْ كَنِيسَةً يُشْرَكُ فِيهَا بِاَللَّهِ كَانَ بِحَسَبِ سُكَّانِهِ, وَكَذَلِكَ دَارُ الْخَمْرِ وَالْفُسُوقِ وَنَحْوُهَا إذَا جُعِلَتْ مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللَّهُ- جَلَّ وَعَزَّ- فِيهِ كَانَ بِحَسَبِ ذَلِكَ, وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَصِيرُ فَاسِقًا, وَالْكَافِرُ يَصِيرُ مُؤْمِنًا, أَوْ الْمُؤْمِنُ يَصِيرُ كَافِرًا, أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ؛ كُلٌّ بِحَسَبِ انْتِقَالِ الْأَحْوَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ, وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً} ... الْآيَةَ. نَزَلَتْ فِي مَكَّةَ لَمَّا كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ وَهِيَ مَا زَالَتْ فِي نَفْسِهَا خَيْرَ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبَّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيْهِ, وَإِنَّمَا أَرَادَ سُكَّانَهَا؛ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: أَنَّهُ قَالَ لِمَكَّةَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ: «وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ, وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ, وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْك لَمَا خَرَجْت» . وَفِي رِوَايَةٍ: «خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيَّ» [1] ؛ فَبَيَّنَ أَنَّهَا أَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ, وَكَانَ مَقَامُهُ بِالْمَدِينَةِ, وَمَقَامُ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ مَقَامِهِمْ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ أَنَّهَا دَارُ هِجْرَتِهِمْ, وَلِهَذَا كَانَ الرِّبَاطُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلَ مِنْ مُجَاوَرَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ, كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ, وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا, مَاتَ مُجَاهِدًا وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ رِزْقُهُ مِنْ
(1) أخرجه الترمذي, كتاب المناقب, باب 69.