وسلم- يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض. فلعل قوله في الحية السوداء: وافق مرض من مزاجه بارد فيكون معنى قوله شفاء من كل داء أي من هذا الجنس الذي وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع، والله أعلم. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: تكلم الناس في هذا الحديث وخصّوا عمومه وردوه إلى قول: أهل الطب والتجربة ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأن إذا صدقنا أهل الطب ومدار علمهم غالبًا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالبا، فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقول من كلامهم [1] . قلت ما أحسن قول ابن أبي جمرة هذا فإنه هو الذي يدل عليه الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رجلًا أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال. اسقه عسلًا. ثم أتاه الثانية، فقال: اسقه عسلًا. ثم أتاه الثالثة، فقال: اسقه عسلًا، ثم أتاه فقال فعلت. فقال صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلًا فسقاء فبرأ [2] . قلت فمن هذا يظهر أن ما نص عليه الرسول- صلى الله عليه وسلم- من الأدوية والرقى مقدم على التجربة، وما لم ينص عليه- صلى الله عليه وسلم- جاز أن نأخذ فيه
(1) انظر فتح الباري 122/ 10.
(2) انظر صحيح البخاري مع الفتح 10/ 119.