فسار النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنود الرحمن حتى نزلوا أدنى ماء من مياه بدر، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» ، فقال: يا رسول الله! إن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ونَغُور [1] ما وراءه من القُلُب [2] ، ثم نبني عليه حوضا فنملأه، فنشرب ولا يشربون، فاستحسن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الرأي، ونهض فنزل بالعُدوة الدنيا مما يلي المدينة، وقريش بالعودة القصوى مما يلي مكة، وحال الله بين قريش وبين الماء بمطر عظيم أرسله، وكان نقمة على الكفار، ونعمة على المسلمين، مهد لهم الأرض ولبدها.
وبني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عريش يكون فيه. ومشى - صلى الله عليه وسلم - في موضع المعركة، وجعل يريهم مصارع رؤوس القوم واحدًا واحدًا، فيقول لهم: هذا مصرع فلان غدًا، وهذا مصرع فلان غدًا، فما جاوز أحد منهم عن الموضع الذي أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة وهي ليلة الجمعة
(1) نغور: ننزح.
(2) القلب: جمع قليب وهو البئر.