سررت بظفرك، اخرج حتى أنظر إلام يصير أمرك) ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام بالليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأمه، اللهم إني قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت فيه بقضائك, فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين، قال: (يا أمه, لا تدعي الدعاء لي قبل قتلي ولا بعده) فقالت: (لن أدعه، فمن قتل علي باطل, فقد قتلت علي حق) فتناول يدها ليقبلها فقالت: (هذا وداع, فلا تبعد) فقال لها: (جئت مودعًا, لأني أرى هذا آخر أيامي في الدنيا) قالت: (امض على بصيرتك، وأدن مني حتى أودعك) فدنا منها فعانقته، وقبلته، فوقعت يدها على الدرع، فقالت: (ما هذا صنيع من يريد ما تريد) فقال: (ما لبستها إلا لأشد متنك) قالت: (إنها لا تشد متنى) فنزعها ثم درج لمته، وشد قميصه وجبته، وخرج وهو يقول:
أبي لابن سلمى أن يعبر خالدًا
ملاقي المنايا أي صرف تيممًا
فلست بمبتاع الحياة بسبة
ولا مرتق من خشية الموت سلما
وقال لأصحابه، (احملوا على بركة الله، وليشغل كل منكم رجلًا، ولا يلهينكم السؤال عني، فإني على الرعيل الأول) ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون وهنالك رماه رجل من أهل الشام بحجر فأصاب وجهه،