الصفحة 18 من 70

فالرجل من يعفو عن زلات وهفوات الآخرين، مع كمال قدرته البشرية على الانتقام، ولكنه يترك ذلك لله - عز وجل- وذلك امتثالا لقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134] . وفي الصحيحين من حديث عائشة الطويل:"... وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم الله تعالى".

وقصة ملك الجبال في الصحيحين، عندما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو خارج من الطائف وقدمه تسيل دمًا، وأطفال الطائف يتبعونه بالحجارة، فجلس تحت شجرة، فجاءه الملك: (إذا أردت يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت) [1] وهو في هذا الموقف، يخرج طريدًا، والسفهاء يدمون قدميه بالحجارة, إن حالة كهذه يصل إليها رجل قد يفقد أعصابه، أو يملي عليه هواه بالانتقام من هؤلاء، خصوصا أن الفرصة متاحة، بل جاءت الفرصة إليه, ولم يطلبها، ولم يجر بعدها. مع ذلك كله، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أبى أن ينتقم لنفسه، وحلق في الفضاء يتأمل، ويتبصر في دعوته، ويرجو ويدعو ربه أن يخلق من أصلاب هؤلاء من يعبد الله ويوحده فقال - صلى الله عليه وسلم - للملك: «لعل الله يخرج من ضئضئ هؤلاء من يعبد الله» ، أو كما قال.

(1) الأخشبان: الجبلان العظيمان في الطائف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت