وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل؛ فإن يعقوب قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} ، وقال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في الفجر بسورة (يونس) و (يوسف) و (النحل) فمر بهذه الآية في قراءته, فبكى حتى سُمِعَ نشيجه من آخر الصفوف. ومن دعاء موسى: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك.
وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت عبوديته له وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره؛ واحتج إلى من شئت تكن أسيره، فكذلك طمع العبد في ربه.
ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من غير الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله؛ لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق؛ بحيث يكون قلبه معتمدا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه،