الصفحة 11 من 55

المادي الذي أباحه القرآن والذي يفصل فصلًا حاسمًا بين مبادئه ودين المسيح دين الطهر والإيثار.

فصار المسلم ينظر إلى ما يصيبه من بأساء على أنها بعض ما قدر الله وما لا مفر منه وما يجب الإذعان له واحتماله ما دام كل جهد وكل حكمة إنسانية عبثًا لا نفع له. ولم تكن قاعدة: «أعن نفسك يعنك الله» مما يرى أتباع محمد تنفيذه بل كان عكسها نصيبهم من ثم محق الصليب الهلال. وبقاء الهلال في أوروبا حيث كان يومًا ما بالغًا غاية القوة إنما يرجع إلى اختار الدول المسيحية الكبرى أو يرجع بالأحرى إلى تنافسها ولعل الهلال باق ليكون دليلًا جديدًا على أن من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ (هامش) .

وكان مما علق به الدكتور هيكل على هذا قوله والواقع أن هذه الآيات وما جرى مجراها تعود إلى حقيقة واحدة علمية قررتها كثرة فلاسفة الغرب وعلمائهم وأطلقوا عليها مذهب الجبرية كذلك. ونسبوا الجبر فيها إلى سنة الكون ومجموع الحياة فيه بدل أن ينسبوها إلى الله وعلمه وقدرته. وهذا المذهب الذي تقره كثرة فلاسفة الغرب أقل سعة وتسامح وانطباق على خير الجماعة الإنسانية من المذهب الفلسفي الذي يستخلص من القرآن الكريم كما سنرى من بعد.

وهذه الجبرية العلمية تذهب إلى أن مالنا من اختيار في الحياة إنما هو اختيار نسبي ضئيل القدر وأن القول بهذا الاختيار النسبي يرجع إلى ضروريات الحياة الاجتماعية من ناحية عملية أكثر مما يرجع إلى حقيقة علمية أو فلسفية فلو لم يتقرر مذهب الاختيار لتعذر على الجماعة أن تجد أساسًا تقيم عليه تشريعها وحدودها وتنظم بذلك حياتها وتفرض به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت