الصفحة 12 من 55

على كل إنسان جزاء تصرفاته جزاء جنائيًا أو مدنيًا.

صحيح أن بين العلماء والفقهاء من لا يقيمون أساس الجزاء على الجبر ولا على الاختيار وإنما يقيمونه على كيانه وسيان عند الجماعة إذ تقوم برد الفعل هذا أن يكون الفرد مختارًا وأن يكون غير مختار. على أن الاختيار في التصرف ما يزال الأساس للجزاء عند أكثر الفقهاء ودليلهم عليه أن مسلوب الحرية والاختيار كالمجنون والصغير والسفيه لا يجزي عن عمله. إنما يجزى الرشيد الذي يميز بين الخير والشر فإذا نحن تخطينا هذه الاعتبارات العلمية في الفقه والتشريع وأردنا أن نخلص إلى الحقيقة العلمية والفلسفية ألفينا الجبرية فليس لأحد اختيار للعصر الذي يولد فيه وللأمة التي يولد من أبنائها ولا للبيئة التي ينشأ بينها ولا لأبويه وفقرهما وغناهما وفضلهما ونقصهما ولا لأنه ذكر أو أنثى ولا لما يحيط به من أحداث لها أغلب الأثر الأكبر في توجيه أعماله وحياته وقد عبر الفيلسوف الفرنسي (هيبر ليت تين) عن هذا المذهب بقوله (المرء ثمرة بيئته) وقد ذهب غير واحد من العلماء والفلاسفة في تأييد ذلك إلى حد القول بأن علمنا لو استطاع أن يصل من معرفة سنن الحياة الإنسانية وأسرارها إلى ما وصل إليه من معرفة سنن الأفلاك لاستطاع أن يحدد بالدقة مصير كل فرد كما يحدد الفلكيون بالدقة مواعيد كسوف الشمس وخسوف القمر ومع ذلك لم يقل أحد في الغرب ولا في الشرق بأن هذا المذهب الجبري يحول بين المرء والسعي للنجاح في الحياة أو يحول بين الأمم والوثوب إلى خير مكان ولم يقل أحد بأن هذا المذهب يؤدي إلى تدهور الأمم التي تأخذ به - هذا مع أن المذهب الجبري في الغرب لا تؤيده في السعي والعمل آيات كالتي تلوت من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت