آيات القرآن عن تبعة الإنسان عن عمله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى} أفلا ينهض هذا وحده دليلًا على تحامل المستشرقين الذين يزعمون أن جبرية الإسلام قد أدت إلى تدهور الأمم الآخذة به.
بل إن الجبرية الإسلامية لأكثر حضًا على السعي إلى الخير والفضل وإلى ابتغاء الرزق من الجبرية الغربية فكلتاهما متفقة على أن للكون سنن لا تحويل لها ولا تبديل وأن ما في الكون جميعًا خاضع لهذه السنن وأن الإنسان خاضع لها خضوع سائر ما في الكون ولكن الجبرية الغربية تخضع المرء لبيئته ووراثته خضوع إذعان لا محيص عنه ولا مفر منه وتجعل إرادة الإنسان بعض ما يخضع لبيئته فلا سبيل له لذلك إلى أن يغير نفسه فأما القرآن فيدعو إرادة كل فرد لتتوجه بحكم العقل إلى ناحية الخير ويذكر لهم إذا كان قد قدر لهم الخير فبما كسبت أيديهم وأنهم لا ينالون هذا الخير اعتباطًا من غير سعي"."
وقبل البحث في الموضوع لا بد لي أن أقول إن من المقرر في الإسلام أن الله جل وعلا قد أثبت لذاته العلية فيما أثبت صفة المشيئة وصفة الإرادة وصفة العلم وغير ذلك من الصفات التي جاء بها كتاب الله وسنة رسوله فهو يفعل ما يشاء ويأمر بما يريد ويعلم كل شيء كان أو سيكون ولقد أدرك سلفنا الصالح مدلول تلك الصفات على حقيقتها فعرفوه حق معرفته وقوى إيمانهم به فاتبعوا أحكامه وساروا في أعمالهم على ضوء هديه ورجوا ثوابه وخافوا عقابه فسمت أفكارهم ونضجت عقولهم وخلصت نياتهم واتجهت أعمالهم كلها لما يرضي الله ونحن على طريقتهم لا نسلم قطعًا بنسبة الجبرية التي زعموها إلى الإسلام وننفي