الصفحة 35 من 55

مؤاخذ على القتل في الدنيا والآخرة لأنه فعل أمرًا باختياره مخالفًا لإرادة الله، وإن كان هو في نفس الوقت مطابقًا لمشيئته الله التي توجبها سننه من أن الضرب بالسيف من شأنه أن يسبب القتل وموافقًا لمشيئته العامة التي قضت بأن لكل فرد أن يفعل ما يشاء في هذه الحياة بمحض اختياره وضمن سنن الله في خلقه كما أن موت القتيل كان مطابقًا أيضًا لمشيئة الله التي قضت بتحديد عمره في تلك اللحظة وإنما يؤاخذ القاتل على أن ذلك جرى على يده وبمحض اختياره وبهذا يتضح أن قول المشركين: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} لم يكن مطابقًا للحق باعتبار أن مشيئة الله دستوره العام الذي لا يتعلق بضلال شخص بعينه وإنما ذلك لأعمالهم المخالفة لإرادة الله الخاصة بهم فما يكون لهم أن يزعموا أن ضلالهم ناشئ عن مشيئة الله ولذلك أمر الله رسوله أن يتحداهم بإبراز مستندهم على ذلك حيث قال تعالى: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} [الأنعام: 148] .

هذا هو دستور المشيئة الذي يعبر عنه بالقضاء والقدر الذي أمر المؤمنين أن يؤمنوا به ويسيروا في الحياة على ضوئه فأوجد لهم قوة روحية تجعلهم يسترخصون الموت في سبيل الوصول إلى الغاية ويضحون بكل شيء لنيل رضاء الله وثوابه وبهذا سادوا العالم ونالوا العزة التي وعدهم بها الله في قوله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 8] ، لا كما يزعم بعض المستشرقين لجهلهم بحقيقة الإسلام من أن الإسلام يقرر في تعاليمه مذهب الجبرية وإن فيما أوضحاه من الحقائق تنويرًا وتبصرة لمن يعقل من كل من تجرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت