سلمنا بأن الهبوط إلى الأرض لم يكن إلا بمشيئة الله وأردنا أن نطبق الأمر على نظام القضاء والقدر نرى أن الله جل وعلا لم يرد بآدم وأبنائه الإهانة أو الشقاء في هذه الأرض بل إنه رفع من قدره إذ استخلفه فيها وتعهد له تعالى بأفضل مما تعهد له به يوم كان في الجنة إذ قال له هنالك: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} وقال له عند الهبوط إلى الأرض: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {طه: 33، 34} .
وشتان بين متع الجسم من المأكل والمشرب والملبس وبين متع النفس والجسم معًا من الهدى والسعادة الكاملة الدائمة، ولئن تجاوز الله عن آدم ونجاه من العقوبة بطلبه الغفران فإن الله لم يضن على أبنائه المهتدين بهديه والمقتفين أثره بوعده لهم بالرحمة والرضوان.
ولئن توعد الله آدم على العصيان الخروج من الجنة فقد توعد أبناءه الضنك والعذاب في الآخرة وعدد لهم نعمه عليهم وحذرهم من الشيطان حيث قال: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون * يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} [الأعراف: 26، 27] ، فإذا شعر الناس بالشقاء في هذه الحياة فما ذلك إلا لأنهم انحرفوا عن جادة اتباع هدى الله وإذا ضلوا فإنما ذلك نتيجة افتتانهم بما يزين لهم الشيطان أول من اخترع المعصية والإصرار عليها وعدم التوبة منها والجرأة على الله