فإذا أصر بعد كل هذا على ارتياد سبل الضلال عندئذ يمده الله تعالى في غيه ويتركه وشأنه ويصدق عليه أن قد أضله الله على علم منه بأنه سائر في طريق الضلال وفي هذا يقول تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون * وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون * أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [الجاثية: 21 - 23] .
وهكذا ما من موضع في القرآن تحدث الله فيه عن الرحمة والغفران والعذاب والعقاب إلا ذكر من أعمال العباد ما يستحقون عليه ذلك من الأعمال التي تنشأ عن إيمانهم أو كفرهم بالله واليوم الآخر.
حقًا إن الله سبحانه وتعالى هو المالك لكل شيء والمالك يفعل في ملكه ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وليس من حق العبد أن يعترض على سيده إذا هو عهد إليه بأعمال شاقة واختص زميلًا له بالقرب منه والترفيه عنه غير أن هذا لا يمنع أن يكون في النفس ما فيها من حزن وأسى لا يمكن إلا أن تعبر عنه إذا وجدت سبيلًا إلى ذلك ولو عن طريق العتب اللطيف.
ولقد اقتضت الحكمة الإلهية أن لا يترك للإنسان مجالًا لأن تحدثه نفسه بشيء من هذا بما وهبه من ملكة العقل وما منحه من قدرة على العمل وما هداه إليه من سبل وما تفضل به عليه من ثواب حتى على مجرد النية من أعمال القلب فإذا أبى الإنسان أن ينتفع بشيء من هذا فلا يلومن إلا نفسه، وفي هذا يقول تعالى: الله يجتبي إليه من يشاء