نسبتهما إلى الوحي الإلهي، يرجح أن يكون أبو بكر هو الذي أضافهما غداة وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم، و هما قوله تعالى: (و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين) ، و قوله جل و علا: (إنك ميت و إنهم ميتون. ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) .
و"كازانوفا"بما قاله يعبر عن جهله بالسيرة النبوية، و بمعرفة أسباب النزول. فالآية الأولى استشهد بها أبو بكر الصديق حينما رأى الناس قد ألمّ بهم الحزن الشديد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم. أما نزولها فكان بسبب محنة المسلمين يوم أحد، وما أشيع من أن الرسول قد قتل، فاختلف المسلمون هل يواصلون القتال أو لا يواصلون، فأنزل الله الآية لتبين أن محمدا عليه السلام سيموت كغيره من الرسل، فإذا مات أو قتل تخليتم عما جاءكم به و دعاكم إليه، و من فعل ذلك فإن عاقبة أمره خسرانا مبينا. أما الآية الثانية فقد نزلت بالمدينة لتؤكد أن كل نفس ذائقة الموت. [1]
من جانبه شكك المستشرق الفرنسي"جاك بيرك"في نزول و ترتيب و جمع القرآن الكريم [2] ، سائرا على منوال من سبقوه من المستشرقين.
و ترد المستشرقة الإيطالية المنصفة على هذه الادعاءات مؤكدة أن"معجزة الإسلام هي القرآن الذي تنقل إلينا الرواية الراسخة غير المقطعة، من خلاله، أنباء تتصل بيقين مطلق. إنه كتاب لا سبيل إلى محاكاته" [3] ، فقد ظل نصه"صافيا غير محرف طوال القرون الأولى التي تراخت ما بين تنزيله و يوم الناس هذا" [4] . و هو الأمر الذي بذل موريس بوكاي طاقته العلمية من أجل إثباته، ليخلص في نهاية المطاف إلى القول بأن"النص القرآني لم يتعرض لأي تعديل أو تغيير أو تحريف من يوم أن أنزله الله على الرسول صلى الله عليه و سلم حتى يومنا هذا" [5] ، و يرجع سبب ذلك إلى أنه"فور تنزيل نصوص القرآن الكريم، و أولا بأول، كان النبي صلى الله عليه و سلم و كان المسلمون حوله يتلونه و يحفظونه في ذاكرتهم عن ظهر قلب و كان الكتبة من صحابته يسجلونه كتابيا. و هكذا كانت نصوص القرآن الكريم تتمتع و تمتاز بهذين العنصرين دائما من المصداقية و توافرها على امتداد الزمان و هما الحفظ في الذاكرة و الحفظ كتابة لنصوص القرآن الكريم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم و هما العنصران اللذان تفتقر إليهما نصوص الأناجيل" [6] . و بعد وفاته عليه الصلاة و السلام"طلب أول خليفة من الخلفاء الراشدين و هو أبو بكر الصديق إلى زيد بن ثابت أول كاتب للنبي صلى الله عليه و سلم و أكثر كتاب الوحي إسهاما في كتابته أن يجمع و يعد نسخة كاملة من نص القرآن الكريم ففعل ذلك، و قام بهذه المهمة الجليلة خير قيام، و شاركه آخرون ممن يعتد بإسهامهم في إتمام هذه المهمة الجليلة. ثم قام زيد بن ثابت إتباعا لمشورة سيدنا عمر بن الخطاب - و لم يكن قد أصبح ثاني الخلفاء الراشدين بعد - قام زيد بن ثابت باستشارة كل أولئك الذين كان بحوزتهم نصوص مكتوبة من القرآن الكريم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم للمراجعة و المطابقة و تمام التأكد من صحة النصوص التي تم جمعها في نسخة واحدة"
(1) - الدسوقي، محمد، الفكر الاستشراقي، م. س، ص ص 101 - 102
(2) - عزوزي، حسن، دراسات في الاستشراق و مناهجه، م. س، ص ص 21 - 22
(3) - فاغليري، لورا فيشيا، دفاع عن الإسلام، م. س، ص 56
(4) -م. ن، ص 58
(5) - بوكاي، موريس، التوراة و الأناجيل و القرآن الكريم بمقياس العلم الحديث، م. س، ص 174
(6) -م. ن، ص 174 - 175