تحتوي على كامل نصوص القرآن الكريم، و بالإضافة إلى ذلك تمت مراجعة كل ذلك وفقا لشهادة و مراجعة الأفراد المشهود لهم بجودة حفظ نصوص القرآن الكريم اعتمادا على الذاكرة، و كل ذلك لتلافي أي خطأ في تسجيل و تدوين النص الكامل لآيات القرآن الكريم كتابيا. و هكذا أمكن بالفعل الحصول على نسخة صحيحة لا ريب و لا شك في مصداقيتها التامة لكل نصوص القرآن الكريم.
و تجمع المصادر الموثوق بها أن سيدنا عمر قد اجتهد أن تكون نسخة واحدة من كامل نصوص القرآن الكريم هي وحدها الموجودة في عالم المسلمين حتى لا يحاول أحد عمل نسخ أخرى تعوزها الدقة التي روعيت في جمع المصحف بواسطة زيد بن ثابت و معاونيه في عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - و تجمع المصادر الموثوق بها على أن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد استودع هذه النسخة الوحيدة المعتمدة لدى ابنته حفصة التي كانت زوجة لرسول الله صلى الله عليه و سلم و هي - رضي الله عنها - من أمهات المؤمنين!
و قام ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - الذي تولى الخلافة فيما بين عامي 644 م - 655 م بمراجعة نصوص القرآن الكريم بمعرفة لجنة من أعلم الخبراء بنصوص القرآن الكريم كان من نتيجة عملها ما يعرف بالمصحف العثماني المنسوب إليه. و لقد أقرت هذه اللجنة التي أمر سيدنا عثمان بتشكيلها صحة نصوص المصحف الذي تم جمعه في عهد أول الخلفاء الراشدين أبي بكر الصديق، و أودعها ثاني الخلفاء الراشدين عند ابنته حفصة أم المؤمنين مع التوصية ألا يحاول أحد عمل نسخ أخرى قد لا تتوافر لها الدقة اللازمة. و بعد عمل المراجعات اللازمة و بعد تمام التأكد من صحة نصوص القرآن الكريم من خلال عمل لجنة تم تشكيلها على أرفع مستوى من كتاب القرآن الكريم و حفّاظه. و بعد مطابقة كافة الشهادات للتحقق من صحة النص القرآني، عمد سيدنا عثمان إلى إرسال نسخة من نصوص القرآن المعتمدة إلى كل مصر من أمصار المسلمين الكبرى المعروفة. و ذلك بعد التأكد من صحة النص القرآني و مكانه في كل سورة، و ضبط ألفاظه لتكون نصوص الآيات تتلى كما كانت تتلى في وقت نزولها على نبي الإسلام صلى الله عليه و سلم طوال ثلاثة وعشرين عاما" [1] ."
وبهذا تكون شبهات المستشرقين المغرضين حول جمع القرآن و تدوينه، قد دُحضت من طرف نظرائهم المنصفين. و عليه لم يبق لنا إلا أن نناقش قضية مضمون القرآن الكريم و ما أثير حول تعاليمه السمحة من اتهامات باطلة بتكريس التخلف و استعباد المرأة والتحريض على العنف و الإرهاب ضد غير المسلمين.
حين كتب بلاشير مقدمة ترجمته للقرآن الكريم، اعترف بالقلق الذي ينتاب الغربيين بسبب القرآن، حيث يقول:"قلما وجدنا بين الكتب الدينية الشرقية كتابًا بلبل بقراءته دأبنا الفكري أكثر مما فعله القرآن" [2] ، لذلك سعى المستشرقون إلى النيل من القرآن حتى يضمنوا انحسار الإسلام. لم يكن بإمكانهم انتزاع القرآن من صدور المسلمين، فراحوا
(1) -م. ن، ص 178 - 179
(2) -بلاشير، القرآن، ص 41،نقلا عن: محمود حمدي زقزوق، الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري، م. س، ص 95