فاتهام النبي صلى الله عليه و سلم بادعاء النبوة يستبطن اتهاما بتأليف القرآن. و الثانية ترتبط بمضمون القرآن، لأن الزعم بأن النبي بشر"أتباعه"بأنهم سيحكمون العالم، هدفه التخويف من الإسلام ووصمه بدين الغزو و العنف و الإرهاب و العدوان. أما الثالثة فتتعلق بجمع القرآن و تدوينه، فالقول بأن تعاليم محمد سجلت بعد موته في كتاب يدعى القرآن، لا يعدو أن يكون مجرد إسقاط لطريقة تدوين الإنجيل، على القرآن الكريم. و إذا كنا قد ناقشنا الشبهة الأولى، فقد بقي أن نعرض للشبهتين المتبقيتين.
لم يكتف المستشرقون بالتشكيك في كون القرآن الكريم كتاب الله، و إنما سعوا بالإضافة على ذلك، إلى ادعاء تعرضه للتحريف و ذلك بإثارة الشبهات حول جمعه و تدوينه، فقد"تكلم المستشرقون كثيرًا في موضوع القراءات بالأحرف السبعة محاولين إثبات أن القراءة كانت حرة طليقة، الأمر الذي جعل تعرض القرآن للتغيير أمرًا لا مفر منه. وهم بذلك يوهمون بأن التدوين وقع في جو هذه الحرية، وفي هذا الجو تم تسجيل قراءات مختلفة. وهذه القراءات التي نجمت عن ذلك لم تكن هي الصورة التي ورد بها الوحي أساسًا. ونتيجة ذلك كله هي القول بحدوث تغيير في النص القرآني" [1] . و يرد الدكتور محمود حمدي زقزوق هذه الفرية بالقول:"إن اختلاف القراءات أمر ثابت لا ننكره، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضًا أن القرآن كان وحيًا باللفظ والمعنى معًا. ومن أجل ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصًا كل الحرص على تسجيل الوحي فور نزوله والعناية بحفظه في السجلات التي سطر فيها. وليس صحيحًا ما يردده (بلا شير) من أن فكرة تدوين الوحي لم تنشأ إلا بعد إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأن التدوين كان جزئيًا وناتجًا عن جهود فردية ومثارًا للاختلاف. فالثابت أن فكرة تدوين الوحي كانت قائمة منذ نزوله ـ وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدونوه: وقد بلغ عدد كتاب الوحي ـ كما يذكر الثقات من العلماء ـ تسعة وعشرين كاتبًا أشهرهم الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية، والزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت."
وأما ما يتعلق بمسألة الأوجه السبعة في القراءة فإن الأمر فيها لم يكن متروكًا لأهواء الناس، وإنما كان محكومًا بما يقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم للناس من أوجه للقراءة كان القصد منها التخفيف على الناس في أول الأمر (فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه، أي على طريقته في اللغة، إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد وتدربت الألسن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة فعارض جبريل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في السنة الأخيرة، واستقر على ما هو عليه الآن) . وهذا ما عليه أكثر علماء المسلمين" [2] ."
و فرية تعرض القرآن الكريم للتحريف، سلعة رائجة في أوساط المستشرقين، فقد ادعى هؤلاء أن المسلمين في القرن الأول قد حذفوا من القرآن و أضافوا إليه وغيروا منه، و لكي يلبسوا هذا الاتهام رداء الحقيقة العلمية عولوا على بعض الآثار الضعيفة، و الروايات الموضوعة، و لم يرجعوا إلى المصادر الأصلية، و الأقوال الصحيحة. فالمستشرق الفرنسي"كازانوفا"- مثلا - يذهب في كتابه"محمد و نهاية العالم"إلى أن هناك آيتين يشك في صحة
(1) - زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري، م. س، ص 89 - 90
(2) -- زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري، م. س، ص 90 - 91