لاحظنا نماذج كثيرة منها في هذا الكتاب على حين أن نصوص التوراة و نصوص الأناجيل تغص بالأخطاء غير المقبولة منطقيا و علميا و لا يمكن الدفاع عنها بأي حال بينما القرآن الكريم يخلو تماما من هذه الأخطاء" [1] . و ما ينطبق عن نسب المسيح عليه السلام، ينطبق على قصة الطوفان، يقول"بوكاي":"نخلص في نهاية الأمر إلى وجود وجوه مهمة للاختلاف بين رواية القرآن عن الطوفان و روايات التوراة عن الطوفان، و ذلك في أمور أساسية مهمة. و بعض هذه الاختلافات لا يمكن الفصل فيه بالوسائل التي يمكن أن نطمئن إليها بحيث تكون متاحة لنا، و لكن هذه الوسائل التي نطمئن إليها تطلعنا على تناقض روايات التوراة بشأن الطوفان بعضها مع بعض عند مقارنة النصوص المتعلقة بالتوراة في هذا الصدد، بينما لا يوجد مثل هذا التناقض في نصوص القرآن عن الطوفان. و هنا يبرز سؤال مهم هو: هل حصل الناس في أي وقت بين نزول التوراة و نزول القرآن على معلومات من شأنها تصويب رواية القرآن عن الطوفان بحيث تتفادى تماما التناقضات الموجودة في رواية التوراة عن الطوفان؟
لا جواب لهذا السؤال سوى إجابة واحدة محددة هي أن التوراة قد صاغ نصوصها و أضاف إلى نصوصها بشأن الطوفان بشر، أما نصوص القرآن فهي كلام الله وحده أوحاه إلى محمد صلى الله عليه و سلم" [2] ."
لقد أثبت"موريس بوكاي"بمنهج علمي صارم مصداقية القرآن، و أسقط ادعاءات المستشرقين و الرهبان، فاستخلص أنه"بفضل المصداقية التامة - التي لا تجادل - المتوافرة لنصوص القرآن الكريم تحظى نصوص القرآن الكريم بمنزلة متفردة unique place بين الكتب السماوية المنزلة من الله إلى البشر، و لا يتساوى مع القرآن الكريم في هذه المنزلة كتاب آخر بما في ذلك العهد القديم و العهد الجديد" [3] .
ورغم هذه الحقائق العلمية و الأدلة الدامغة، إلا أن المواقف الاستشراقية الأكثر تطرفا هي الأكثر رواجا في ديار الغرب، إذ يقدم الإسلام بشكل مقزز مثير للاشمئزاز، و تشن عليه البروباغاندا الغربية حربا شعواء، سواء في الإعلام أو في الكتب الموجهة للاستهلاك المحلي، وقد رصد"إدوارد سعيد"مجموعة كتب من هذا القبيل، و أورد في كتابه الذائع الصيت"الاستشراق"بعض ما جاء فيها قبل أن يوجه نقده اللاذع لها، ينقل سعيد عن أحد المغرضين- دون أن يعني هذا أنه يتفق معه، فالأمر خلاف ذلك:"بدأ الدين الإسلامي، المسمى الإسلام، في القرن السابع. و قد بدأه رجل أعمال ثري من شبه الجزيرة العربية يدعى محمد. و قد ادعى أنه نبي، ووجد أتباعا بين العرب الآخرين و أخبرهم بأنهم اختيروا لكي يحكموا العالم"و تتلو هذه النتفة من المعرفة نتفة أخرى مثلها في دقتها:"بعد موت محمد بقليل، سجّلت تعاليمه في كتاب يدعى القرآن، و صار الكتاب المقدس للإسلام" [4] .هكذا يلبسون تلبيس إبليس و لا يتورعون عن إطلاق الأكاذيب من أجل تشويه صورة الدين الحنيف، فلا النبي كان ثريا، ولا كان دعيا، ولا المسلمون يسعون لحكم العالم، و لا القرآن لم يدون إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم. و الواضح أن هذين المقطعين على وجازتهما قد أوردا أهم الشبهات المثارة حول القرآن. الأولى تتعلق بمصدر القرآن،
(1) - م. ن، ص 256
(2) - م. ن، ص 262
(3) -- م. ن، ص 173
(4) - سعيد، إدوارد، الاستشراق. المعرفة، السلطة، الإنشاء، م. س، ص 288