2 -جمعه و تدوينه
3 -مضمونه و تعاليمه
مع بزوغ فجر الإسلام، بدأ خصومه في محاربته بغية استئصال شأفته، ورأوا أن النيل منه يمر بالضرورة عبر تكذيب المصطفى الأمين و التشكيك في القرآن الكريم و في نسبته إلى الله رب العالمين، هكذا فكرت قريش و من والاها. و إلى هذا ركن المستشرقون، حيث بذلوا قصارى جهودهم من أجل غرس هذه الأوهام في أذهان الناس. فنشروا في ذلك ما لا يحصى من الدراسات وألفوا آلاف الكتب و المؤلفات، منذ أن أمر بطرس"المبجل"Peter The Venerable بوضع اللبنة الأولى للحركة الاستشراقية، و ذلك بأن أمر روبرت الكيتوني Robert Of Ketoun بترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية، الأمر الذي تحقق عام 1143 م.
لم يكن رئيس رهبان دير كلوني بطرس"المبجل"يهدف من وراء هذه"الترجمة"إلى الاطلاع على كتاب المسلمين و معرفة تعاليم ديانتهم، و إنما كان الهدف تنصيريا بحتا، لذلك جاءت تلك"الترجمة"مشوهة ليس فيها من القرآن إلا اسمه، لما فيها من حذف و إضافة و أخطاء مقصودة. فهي"لم تكن ترجمة فقط و إنما أضيف إليها هجوم و قدح في الإسلام و القرآن الكريم في شكل مساجلات (polemiques) كانت تقحم أثناء الترجمة، و قد كانت لا تلتزم بدقة و حرفية بالنص، ولا تلتزم بترتيب الجملة في الأصل العربي و إنما تستخلص المعنى العام في أجزاء السورة الواحدة ثم تعبر عن هذا بترتيب من عند المترجم" [1] و يعترف المستشرق صموئيل زويمر أن هذه الترجمة تمت بدافع تنصيري، و تحت تأثير الروح التنصيرية لدى بطرس"المبجل" [2] .
ومنذ ذلك الحين توالت الترجمات الاستشراقية لمعاني القرآن الكريم نافثة زعاف سمومها، كاشفة عظيم حقدها على الإسلام و القرآن. فقد دأب المستشرقون على تصدير مترجماتهم بمقدمات و مداخل تستعرض الإسلام و رسالته، ومضمون القرآن و مصدره و تاريخ جمعه و تدوينه على النحو الذي يخدم مخططاتهم و يبرهن على حقيقة ما يروجونه من مغالطات و أكاذيب، كالقول ببشرية القرآن و لا ربانية مصدره، و الادعاء بأنه من تأليف الرسول صلى الله عليه و سلم، و بأن النبي الكريم قد استقى ما جاء في القرآن من ما ورد في التوراة و الأناجيل. فجورج سيل (G.Sale) ، على سبيل المثال، وضع لترجمته -الصادرة عام 1734 م- مقدمة طويلة شن فيها هجوما عنيفا و مضللا على القرآن المجيد، و لم يترك فرية إلا و رماه بها، فقد ادعى أن القرآن ليس وحيا، و ليس معجزا، و انه مستمد في معظمه من اليهودية، ليس في موضوعاته فحسب، بل و كذلك في تقسيمه إلى أجزاء و أحزاب، و إلى سور و آيات. كما وصف محمدا عليه الصلاة و السلام بأنه مؤلف القرآن [3] . يقول سيل:"أما أن محمدا كان في الحقيقة مؤلف"
(1) - عزوزي، حسن، دراسات في الاستشراق و مناهجه، مطبعة أنفو، فاس، ط 1،1999، ص 4
نقلا عن: غراب، أحمد، رؤية إسلامية للاستشراق، المنتدى الإسلامي، لندن، ط 2، 1411، ص 32
نقلا عن: غراب، أحمد، رؤية إسلامية للاستشراق، م. س، ص 34