الإسلام في المخيال الغربي واضحا، الأمر الذي يستدعي البحث في المقولات الاستشراقية حول الإسلام، و بخاصة حول القرآن المجيد باعتباره الكتاب المقدس للمسلمين.
فما موقف المستشرقين من القرآن الكريم؟ ما الغرض الثاوي وراء البحث الاستشراقي في القرآن و علومه؟ ما هي الشبهات التي يثيرونها في حقه؟ وهل هم جميعا على وفاق حول هذه الشبهات، أم أنهم ينقسمون إلى فريق مجحف و نظير له منصف؟ و قبل هذا و ذاك، ما مفهوم الاستشراق؟
تتعدد التعاريف التي تعطى للاستشراق، غير أنها تتفق على أن لفظة الاستشراق مشتقة من كلمة شرق، و حين أضيف إلى هذه الأخيرة الألف و السين و التاء، صارت تعني طلب الشيء، فأصبح الاستشراق يعني: طلب لغات الشرق و علومه و أديانه و التعرف إلى العالم الشرقي من خلال الدراسات اللغوية و الدينية و الاجتماعية و التاريخية ...
غير أن هذا التعريف لن يكون كافيا شافيا إلا إذا أضفنا إليه رؤية إدوارد سعيد للاستشراق"بوصفه نمطا من الإسقاط الغربي على الشرق و إرادة السيطرة عليه" [1]
وتكمن أهمية هذه الإضافة في كونها تكشف عن أحد الأهداف الأكثر حيوية للدراسات الاستشراقية، و هو الهيمنة على الشرق. هذه الهيمنة التي اتخذت عدة أشكال بدءا بالاستعمار العسكري المباشر و انتهاء بالغزو الفكري و الاستعمار الثقافي، وبخاصة بعد نجاح المؤسسات الاستشراقية في استبناء بعض النخب الثقافية الشرقية، والتي تأثرت بآراء المستشرقين و راحت تروجها عوضا عنهم.
المهم هو أن هذه الهيمنة يمكن أن ندخل في إطارها معظم الدوافع التي حركت جحافل المستشرقين في بحوثهم، سياسية كانت أو اقتصادية أو دينية أو علمية.
و حتى يتأتى للغرب تحقيق هذه الهيمنة، فقد وظف الاستشراق كل طاقاته و إمكاناته لخدمة هذا المشروع، و لم يتوان عن استعمال أكثر الأساليب خسة و دناءة، مع ما يستتبع ذلك من تحامل و تزوير و قلب للحقائق.
ليس هنا مجال التوسع في شرح آليات السيطرة الغربية على الشرق، و إنما الذي يعنينا في هذه الدراسة هو البحث في الأساليب التي تم اعتمادها لمحاربة الإسلام و الهيمنة على بلاد المسلمين. و لأن الهدف هو محاربة هذا الدين، فإنه من الطبيعي أن يكون القرآن الكريم هو المستهدف الأول بسهام المستشرقين، إذ لم يتورع هؤلاء عن حشد كل الافتراءات التي لمسوا فيها القدرة على تحقيق هدفهم في النيل من كتاب رب العالمين. فقد عمدوا إلى ترجمة معاني القرآن، و وضعوا لهذه الترجمات مقدمات هدفها تشكيك المسلمين في كتابهم المقدس، و تنفير غير المسلمين منه.
ما دام أن البحث يروم تقديم مواقف المستشرقين من القرآن الكريم، المنصفين منهم و المجحفين، فإن عرض وجهات نظر الفريقين من كل مسألة على حدة، بشكل يبدو معه و كأن كل طرف يناظر الآخر، كفيل بتوضيح المواقف بشكل جلي و بيِّن، بمعنى أنه سيتم عرض شبهات المغرضين، لتعقبَها ردود المنصفين حول الشبهات المعروفة التي يرمى بها القرآن الكريم من طرف المستشرقين الحاقدين، و التي يمكن أن نجملها في ثلاث شبه رئيسية:
(1) - سعيد، ادوارد، الاستشراق، م. س، ص 120