الصفحة 2 من 28

اعتبر بأن التصور المسيحي للإسلام كان متكاملا و مكتفيا بذاته [1] . و قد تشكل هذا التصور بشكل تدريجي، إذ انطلق من خلال المسيحية الشرقية، ثم اتخذ أبعادا أكثر جدية مع احتدام المواجهة في سباق الصراع التاريخي على المواقع و النفوذ، حيث زعم أن الإسلام"عقيدة ابتدعها محمد ( ... ) تتسم بالكذب و التشويه المتعمد للحقائق" [2]

و من نافل القول إن الموقف الغربي من الإسلام و القرآن كان يرتكز في أغلب الأحيان - و ما يزال - على ما يقدمه الاستشراق. فتحتَ غطاء الدراسة الأكاديمية و البحث العلمي كان المستشرقون ينفثون سمومهم و يختلقون وقائع مكذوبة عن الشرق المدروس، و الإسلام بالطبع هو قطب الرحى في هذا الشرق المستهدف. و لهذا كان وصف ادوارد سعيد للاستشراق دقيقا حين قال بأنه استجاب في معظم الأحوال"للثقافة التي أنتجته أكثر مما استجاب لموضوعه المزعوم". [3]

لا تنطبق هذه التهمة الوصمة على الاستشراق الكلاسيكي فقط، و إنما أيضا على الاستشراق المعاصر و الاستشراق الجديد، إذ ليس ثمة من اختلافات جوهرية بينها. كل ما في الأمر هو أن الاستشراق التقليدي غيّر ثوبه ليناسب المرحلة الجديدة بغية مواكبة الصحوة الإسلامية، لذلك كان مؤتمر المستشرقين الدولي الذي انعقد سنة 1973 في العاصمة الفرنسية باريس، آخر مؤتمر دولي يحمل هذه التسمية، لتصبح التسمية الجديدة"مؤتمرات العلوم الإسلامية الخاصة بمناطق العالم الإسلامي"، بعد أن كثرت الكتابات الإسلامية التي تنتقد الاستشراق، فأصبح لهذا الأخير حمولات سيئة بعدما انكشفت عورته و انفضحت حقيقة أهدافه و مراميه.

لم تتغير التسمية فقط، و إنما تغيرت مواضيع البحث أيضا، فانصب اهتمام"المستشرقين الجدد"- الذين أصبحوا يسمون"خبراء المناطق"- على القضايا المعاصرة، كالصحوة الإسلامية (الأصولية الإسلامية حسب تعبيرهم) و الأوضاع الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية في العالم الإسلامي.

و برزت في الساحة أسماء بعض المستشرقين الجدد من قبيل توماس فريدمان، دانييل بايبس، مارتن كرامر، جوديث ميلر، جيم هوغلاند، تشارلز كروثماثر، جين كيرباتريك، إميرسون ... و غيرهم من المحسوبين على طبقة الخبراء المتخصصين في دراسة الإسلام و العالم الإسلامي، و هم في حقيقتهم من العاملين في مراكز البحث المأجورة للإدارة الأمريكية و جماعات الضغط في الولايات المتحدة، و جميعهم تلامذة - بشكل أو بآخر - لأبيهم الروحي المستشرق الصهيوني المتحامل على الإسلام برنارد لويس، صاحب المقال الشهير"جذور السعار الإسلامي"، و الذي أسس لنزعة الإسلامو فوبيا الجديدة.

لقد توارى الاستشراق التقليدي وراء هذا التوجه الجديد، دون أن يعني هذا أن هناك إغفالا تماما للقضايا الاستشراقية التقليدية كدراسة العلوم الإسلامية المختلفة، كالقرآن الكريم، و الحديث النبوي الشريف، و الفقه الإسلامي، و التاريخ الإسلامي و اللغة العربية و آدابها ... إلا أن حضور هذه القضايا في الاستشراق المعاصر لا يكون بأبحاث جديدة و إنما بتبني ما ذهب إليه الاستشراق التقليدي. و من هنا يبدو تأثير هذا الأخير في تكوين صورة

(2) - نقلا عن جورافسكي، ألكسي، الإسلام و المسيحية، ترجمة: خلف محمد الجراد، عالم المعرفة، الكويت، ط 1996،ص 91

(3) - سعيد، إدوارد، الاستشراق. المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط 3،1991،ص 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت