القرآن و المخترع الرئيسي له فأمر لا يقبل الجدل، و إن كان من المرجح - مع ذلك - أن المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة." [1] "
وبعد كل هذه الأباطيل و الادعاءات الكاذبة، لم يجد"جورج سيل"أية غضاضة في الاعتراف بأن الهدف من ترجمته هو تسليح البروتستانت في حربهم التنصيرية على الإسلام و المسلمين، لأنهم"وحدهم قادرون على مهاجمة القرآن بنجاح ( ... ) و العناية الإلهية قد ادخرت لهم مجد إسقاطه" [2]
و رغم هذا التحامل المفضوح فإن ترجمة"سيل"تعد -عندهم- من أهم الترجمات الاستشراقية، حيث أعيد طبعها أكثر من ثلاثين مرة، فقد لقيت صدى طيبا في أوساط المنصرين الحاقدين و المستشرقين المغرضين. و ها هو المستشرق المنصِّر صمويل زويمر يثني على ترجمة"سيل"و يقول إنها مع مقدمتها ستظل ذات قيمة مهمة بالنسبة للمستشرقين [3] . و في نفس الإطار أعلى المستشرق"مونتغمري وات"من قيمة هذه الترجمة، ووصف مقدمتها بأنها"وصف موضوعي للإسلام" [4] . ولعل هذا الحكم على ترجمة"جورج سيل"بالموضوعية، رغم بعدها الكبير عن المعايير الأكاديمية المتحررة من الانحياز والذاتية و الخلفيات الأيديولوجية، يفصح عن حقيقة الموضوعية التي ينشدها الاستشراق، أو بالأحرى غالبية المستشرقين، حتى لا نشتط َّ فنسقط في شرَك التعميم.
لذلك فإننا نجدهم متفقين مع"سيل"حول افتراءاته على القرآن الكريم والقول ببشرية مصدره، إذ يركبون نفس الموجة، و يجتر اللاحق منهم ادعاءات السابق. يقول ريتشارد بيل (R.Bell) :"محمد قد ألف القرآن من عنديته و ( ... ) اعتمد في معلوماته على القصص التاريخية مثل عاد و تمود" [5] ،التي استمدها من مصادر عربية، في حين أن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها ليفسر تعاليمه و يدعمها قد استقاه من مصادر يهودية و نصرانية. وقد كانت فرصته في المدينة للتعرف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة حيث كان على اتصال بالجاليات اليهودية في المدينة، و عن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل [6] .ورغم ما تشتمل عليه هذه الترجمة من تزييف، فقد اكتسبت بدورها مصداقية لدى المستشرقين، و يكفي أن نشير إلى أن المستشرق"مونتغمري وات"(( M.Watt قد اعتمد عليها في تأليف كتابه الشهير:"محمد في مكة"، و لذلك لم يكن غريبا أن يتأثر بها، و أن يردد الشبهات التي وردت فيها، فقد ادعى"وات"أن تحنث الرسول في غار حراء كان خاضعا للتأثيرات اليهودية-المسيحية [7] .ويحاول"وات"في هذا الكتاب أن يوهمنا بموضوعيته حين يصرح
(1) - اللبان، ابراهيم، المستشرقون و الإسلام، ملحق بمجلة الأزهر، أبريل 1970،ص 44.نقلا عن: زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري، سلسلة كتاب الامة، عدد 5،ص 83
نقلا عن: غراب، أحمد، رؤية إسلامية للاستشراق، م. س، ص 35
(3) - م. ن، ص. ن
نقلا عن: غراب، أحمد، رؤية إسلامية للاستشراق، م. س، ص 36
(5) - بيل، ريشارد، الإسلام المتطرف، طبعة الجيماري 1989،باريس، ص ص 98 - 99.نقلا عن: مخمد الشفاقي، الفكر الإسلامي في مواجهة الخضارة الغربية، ج 1،ط 1995،ص 300
(6) - اللبان، ابراهيم، المستشرقون و الإسلام، م. س، ص 45/ 44.نقلا عن: محمود حمدي زقزوق، الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري، م. س، ص 84
(7) -أنظر: وات، مونتغمري، محمد في مكة، ترجمة عبد الرحمن الشيخ و حسين عيسى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 2002،ص 109