بأنه سيناقش الإسلام بحيادية و بأسلوب لا ينكر أية عقيدة من عقائد المسلمين، إلا أن هذه الحيادية سرعان ما تتبدد، حين يعمد إلى إعادة إنتاج مقولات أسلافه عن القرآن الكريم، حيث يشير في كثير من تعليقاته، تصريحا و تلميحا، إلى القرآن ليس معجزا، و أن أهل الحديث المتأخرين قد تجنبوا المعنى الحقيقي للفظة"ما أقرأ"التي رد بها النبي الكريم على جبريل عليه السلام في أول نزول الوحي حين طالبه بأن يقرأ، و اعتمدوا الرواية الأخرى التي تقول"ما أنا بقارئ"،"ليعززوا الاعتقاد بأن محمدا لم يكن يستطيع الكتابة، و هذا الاعتقاد جزء من إثبات الطبيعة المعجزة للقرآن" [1] ، ويستمر"وات"حين يطرح فرضية إمكانية تدخل النبي صلى الله عليه وسلم لتصويب الوحي؟؟؟؟ و رغم أنه يصبو هنا إلى أن يوهمنا بأنه يعتبر أن القرآن كتاب سماوي و أن النبي عليه السلام لا يتدخل إلا لإضافة شيء ما إليه أو حذفه منه، إلا أن الواضح هو انه يغمز إلى أن مصدر القرآن ليس هو الله تعالى، لأن ما يصدر عن الله لا يمكن أن يشوبه نقص، أو يحتاج إلى تصويب بشر. يقول"وات":"لا بد أن محمدا قد ميز بشكل واضح بين ما يأتيه وحيا -كما يعتقد- و بين ما ينتجه عقله الواعي. أما كيف كان يميز بينهما، فهذا أمر غير واضح تماما، لكن الحقيقة التي صنعها محمد مؤكدة كأي شيء في التاريخ. إننا لا نستطيع بأي درجة معقولة أن نتخيله يقحم آيات من تأليفه بين الآيات الموحاة إليه (الآيات الآتية إليه من مصدر خارج عن شعوره كما يعتقد) . و على أية حال، فربما يكون محمد قد فعل شيئا في الوحي المنزل عليه كإعادة ترتيب الآيات الموحى بها، و ربما يكون قد حاول أن يصوب النص إذا أحس أن النص الموحى به يحتاج إلى إصلاح" [2] .الواضح هنا، هو أن"وات"يصور الأمر و كأنه يتعلق بفرضية، أي ربما يكون النبي عليه السلام قد حاول أن يصوب النص و ربما لا، غير أنه يعود في موقع آخر من الكتاب ليؤكد حقيقة موقفه حين يقول:"ويبدو مؤكدا أن محمدا كان لديه أسلوب أو آخر لتصحيح النص القرآني باكتشاف الصيغة الصحيحة لما أوحي إليه ناقصا أو غير صحيح" [3] . لا يقف"وات"عند هذا الحد، بل تصل به"موضوعيته"و"حياديته"المزعومة إلى التشكيك في عقيدة النبي صلى الله عليه و سلم، زاعما أن"التوحيد الذي كان يؤمن به محمد كان في بدايته لا يختلف عن توحيد من هم أكثر تنورا في عصره أي أنه كان توحيدا غامضا على نحو ما، بمعنى أنه لم يكن ممكنا في مرحلة مبكرة فصل التوحيد الخالص عن الإحساس بوجود كائنات أخرى ذات طابع إلهي أو مقدس. فربما نظر محمد إلى اللات و العزى و مناة كموجودات أو ربات، وإن كانت لها قدسية، إلا أنها أقل أهمية من الله" [4] .
و حتي تنجلي الصورة أكثر، نعرض لأفكار مستشرق آخر، كثيرا ما وصف بالباحث الموضوعي الذي أسدى جليل الخدمات للعرب و المسلمين، لتتضح لنا درجة موضوعيته، و التي لا تختلف في شيء عن موضوعية"مونتغمري وات". يتعلق الأمر بالمستشرق"كارل بروكلمان"، هذا الرجل الذي عقد في الجزء الأول من كتابه"تاريخ الشعوب الإسلامية"فصلا عن تعاليم الإسلام أعطى فيه صورة مشوهة لأركان الإسلام الخمسة، مدعيا أن معظمها قد اقتبسه النبي من التوراة و الإنجيل، و عادات الأمم الغابرة،
(1) - وات، مونتغمري، محمد في مكة، ترجمة عبد الرحمن الشيخ و حسين عيسى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 2002،ص 112 - 113
(2) - م. ن، ص 123
(3) - م. ن، ص 130
(4) - م. ن، ص 214