فاليوم الآخر و ما فيه من حساب و عقاب فكرة يهودية، نسج النبي حولها كثير من الأوهام و الأكاذيب، و الصلاة طقوس فارسية، و تقبيل الحجر الأسود عبادة وثنية [1] .
و لم تكن آراء شيخ المستشرقين"تيودور نولدكه"لتغرد خارج السرب، فكتابه"تاريخ القرآن"، والذي يعد أصلا من أصول الثقافة الاستشراقية، ضم بين دفتيه كل الشبهات التي أثيرت حول القرآن الكريم، و مداره حول أن القرآن لم يرتّب حسب تاريخ النزول، و هذه مسألة استعارها"نولدكه"من المستشرق"فلوجل"، و المعلوم أن القرآن لم يرتَّب وفق أسباب النزول، و إنما وفق الوحي، بمعنى أن الترتيب كان توقيفيا. و كان من بين ما أثاره"نولدكه"في هذا الكتاب كون"القرآن ليس بمعجزة لأن فواتحه مأخوذة عن التوراة" [2] ،معضدا بذلك رأي المستشرق"لوت"الذي زعم أن النبي صلى الله عليه و سلم مدين ب"فكرة"فواتح السور من مثل: حَم، و طَسم، و الم، و يس، و كهيعص ... إلخ، لتأثير أجنبي يرجح أنه تأثير يهودي، اعتقادا منه أن السور التي استهلت بهذه الفواتح مدنية خضع فيها الرسول صلى الله عليه و سلم لتأثير يهود المدينة. ولو أنه كلف نفسه مهمة التدقيق في الأمر لعلم أن سبعا و عشرين سورة من تلك السور التسع و العشرين مكية، و أن اثنتين فقط من السور مدنية و هما سورتا البقرة و آل عمران [3] . أما الصهيوني برنارد لويس، شيخ المستشرقين الجدد، فقد زعم أن المصطفى صلى الله عليه و سلم خضع للتأثيرات اليهودية و المسيحية، و أنه لم يأخذ قصص القرآن من الكتاب المقدس مباشرة، و إنما أخذها بطريقة غير مباشرة من التجار و الرحالة اليهود و النصارى [4] .
كل هذه المزاعم تصب في اتجاه واحد، و تقصد الترويج لأمر واحد: محمد بن عبد الله ليس نبيا، و القرآن ليس كتابا سماويا، و إنما هو من ألفه بعدما استعار ما استعاره من التوراة و الإنجيل و تعلم ما تعلمه من بحيرى أو من غيره؟؟؟؟.إذ"يزعم المستشرقون أيضًا أن محمدًا تعرف على النصرانية من بحيرى الراهب في رحلته التجارية إلى الشام. وقد تمثل محمد في نفسه ما سمعه من بحيرى الراهب وما عرفه من أتباع اليهودية، وخرج على الناس يعلن دينه الجديد الذي لفّقه من الدينين الكبيرين."
وهذه كلها مزاعم واهية لا حظ لها من العلم ولا سند لها من التاريخ، وإنما هي تخمينات وافتراضات يضعها أصحابها كما لو كانت حقائق ثابتة لا تقبل الجدل.
وقد تناول الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله في دراسته القيمة (مدخل إلى القرآن) "جميع الافتراضات المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشري للقرآن. وناقشها مناقشة علمية، وأظهر زيفها وبطلانها، وانتهى إلى القول بأن:"جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له (أي للنبي صلى الله عليه وسلم) فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في
(1) -أنظر: الدسوقي، محمد، الفكر الاستشراقي تاريخه .. و تقويمه، دار الوفاء، المنصورة، ط 1،1995،ص 97
(2) - الشفاقي، محمد، الفكر الإسلامي في مواجهة الحضارة الغربية، ج 1،م. س، ص 312
(3) - غلاب، عبد الكريم، نظرات استشراقية في الإسلام، ص 41/ 42،نقلا عن: زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري، م. س، ص 84
نقلا عن: غراب، أحمد، رؤية إسلامية للاستشراق، م. س، ص 112