يحرفون معانيه و ينسبون إليه ما ليس منه، حتى إذا راجت عملتهم المزورة، طالبوا المسلمين بالتخلي عن بالتخلي عن تعاليم الإسلام الواردة في القرآن إن هم أرادوا اللحاق بالركب الحضاري. و هذا ما فعله المستشرق"كنيث كراج" (K.Cragg) رئيس تحرير مجلة العالم الإسلامي حيث قال:"إن على الإسلام إمّا أن يعتمد تغييرًا جذريًا فيه أو أن يتخلى عن مسايرة الحياة" [1] .
من الواضح إذن، أن الأمر لا يتعلق فقط بمجموعة مستشرقين حاقدين على الإسلام، بل باستراتيجيات هيمنية تخدم المصالح الغربية و تقصي ما خلا الغرب. إنه غرب متمركز حول ذاته يرنو إلى أن يصير"مرجعية نهائية"للكون بأسره، والمرجعية النهائية - كما هو معلوم - تتجاوز كل شيء، ولا يتجاوزها أي شيء.
لذلك روَّج لأكذوبة المعجزة الأوروبية و مقولة المركزية الغربية التي تقول بالخصوصية المطلقة لتاريخ الغرب الذي أنضجته عوامل خاصة وداخلية، وأثمر حضارة غنية ومتنوعة، إلى جانب تأكيدها أن لا مناص للمجتمعات التي تطمح إلى بلوغ ما وصل إليه الغرب من تقدم، من الأخذ بالأسباب ذاتها التي أخذ بها الغربيون، ولا مهرب لها من التخلص من خصوصيتها الثقافية، لأن هذه الخصائص هي المسؤولة عن تخلفها والمعيقة لتقدمها. وهو ما يدل على أن المركزية الغربية لم تَكْتَفِ بتقديم رؤية للعالم، بل تقدمت بمشروع سياسي على صعيد العالم، هو: تعميم النموذج الغربي، وخطورة هذا الطرح هو أنه سوَّغَ منطقيًا التوسع الغربي، واحتلال العالم، وإبادة الحضارات، وأحيانًا إبادة شعوب بأكملها كما حصل في حالة نشوء أميركا. وقد أثار هذا المشروع الذي بدأ منذ نهاية القرن الخامس عشر وما زال مستمرًا ردود فعل مختلفة، كان من نتيجتها تمزيق الأنسجة الداخلية - اجتماعية كانت أو سياسية أو دينية أو ثقافية - لكثير من الأمم والشعوب، وراح كثيرون يتساءلون عمَّا إذا كان التعبير عن"الهمجية الغربية"أقرب إلى الحقيقة من التحدث عن"الحضارة الغربية"، ففي نظر الشعوب غير الغربية، يعتبر الغرب مسؤولا عن الجرائم الفظيعة التي رافقت التوسع الرأسمالي، وعمليات النهب والاستنزاف المنظَّمة والمستمرة للثروات الطبيعية والبشرية بما فيها السيطرة عليها والمتاجرة بها وبيع أبناء"حضارات الأطراف"في أسواق الرقيق [2] لذلك، فإن تَبَنِّي نمط الحياة الغربية، أو بعض جوانبها، لم يكن عن طيب
(1) - زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري، م. س، ص 97
(2) - إبراهيم، عبد الله. المركزية الغربية، إشكالية التكون والتمركز حول الذات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - بيروت، الطبعة الأولى 1997، ص: 33.