السياسة العامة في مجال التشغيل ومكافحة البطالة في الجزائر
لقد أدى التحول إلى نظام الاقتصاد الليبرالي في الجزائر مع مطلع التسعينات، ظهور إشكالات معقدة أمام الهيئات العمومية السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتصدرها صعوبة التوفيق بين المكاسب الاقتصادية والتضحيات الاجتماعية، خاصة ما تعلق منها الإختلالات الكبيرة التي وقعت في سوق العمل، والمتميزة بالتراجع الحاد في عروض العمل، مقابل التزايد المستمر في الطلب على التشغيل، مما جعل موضوع التشغيل يقفز إلى المراتب الأولى ضمن أولويات برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومما زاد من خطورة هذه الإختلالات في معادلة العرض والطلب في سوق العمل في الجزائر تلك النسب المرتفعة للبطالة التي سجلها مقياس استقرار السوق. والتي تجاوزت في وقت من الأوقات عتبة الثلاثين بالمائة. لتصبح بلا منازع الشغل الشاغل للحكومة ومختلف الهيئات العمومية المركزية والمحلية. بل وكان لها الدور الكبير في دوافع وأسباب المأساة الوطنية التي عاشتها الجزائر خلال عشرية التسعينات السوداء.
وإذا كان التحول إلى النظام الليبرالي لم يكن وحده السبب في أزمة التشغيل في الجزائر، ذلك أن هشاشة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائدًا قبل ذلك، بسبب التحكم الإداري في هذا الاستقرار قد شكل أحد أسباب انهيار هذا الاستقرار في سوق العمل في ظل التسيير الإداري قبل التحول إلى التسيير الليبرالي. فإن هذا التحول قد كشف ضعف النسيج الاقتصادي في توفير فرص العمل الكافية لتغطية الطلب المتزايد على سوق الشغل، كما كشف ضعف المؤسسات والهيئات المكلفة بتنظيم وتسيير سوق العمل في الجزائر، بل وانعدام آليات التحكم في سوق العمل في الجزائر بصفة كلية. وإذا لم تكن ظاهرة البطالة معروفة في الجزائر خلال سنوات الرخاء الاقتصادي في سنوات الستينات والسبعينات، وإلى منتصف الثمانينات بحكم الموارد البترولية الكافية نتيجة ارتفاع أسعار البترول آنذك. فإنه ما أن بدأت هذه الأسعار في الانخفاض مع منتصف الثمانينات حتى بدأت هذه الظاهرة في البروز، بل وفي مدة قصيرة أصبحت تشكل أحدى أهم الانشغالات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية. حيث تشير العديد من التقارير الرسمية إلى أن مستوى البطالة في الجزائر بدأ في الارتفاع من 17 % في 1987 إلى 28 % سنة 1995 ليصل حدود 30% سنة 1999. هذه الارتفاع الذي جاء نتيجة عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية مترابطة، أبرزها سياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية التي شرعت فيها هذه بعد دخولها في مفاوضات التصحيح الهيكلي لاقتصادياتها مع المؤسسات المالية الدولية، ورغم محاولات هذه الدول الحد من هذه الزيادة عن طريق العديد من البرامج والمشاريع التي صاحبة هذه التحولات، والتي جاءت في غالبيتها بصفة سريعة وغير مدروسة بصفة علمية، مما جعلها قليلة الفاعلية في الحد من تنامي هذه الظاهرة كما سوف نبين ذلك فيما بعد. هذه الوضعية الصعبة التي تعيشها معظم الدول العربية، والمغاربية بصفة خاصة، ساهمت بشكل كبير في تعقيد مهمة مكاتب التشغيل والتوجيه العربية في التكفل بمتطلبات اليد العاملة الباحثة عن العمل، لاسيما شريحة الشباب المتخرج حديثًا من الجامعات ومعاهد التكوين المهني المتخصصة الداخلين لسوق العمل لأول مرة.
ومن أجل الإحاطة قدر الممكن بمختلف جوانب السياسة العامة للتشغيل ومحاربة البطالة في السنوات الأخيرة بصفة خاصة لاستحالة التعرض للسياسات المعتمدة في مجال التشغيل في العقود الماضية، ارتأينا أن نتناول الموضوع من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: الأبعاد الرئيسية لسياسات التشغيل ومحاربة البطالة، ومكانتها ضمن السياسات الاجتماعية والاقتصادية العامة للتنمية.
المحور الثاني: الآليات القانونية والتنظيمية، والبرامج المختلفة التي وضعت لتجسيد وتنفيذ سياسات التشغيل.
المحور الثالث: معوقات نجاح سياسات التشغيل.
المحور الرابع: عوامل تفعيل ونجاح سياسات التشغيل.
أولًا: الأبعاد الرئيسية لسياسات التشغيل ومحاربة البطالة، ومكانتها ضمن السياسات الاجتماعية والاقتصادية العامة للتنمية.
لقد كانت سياسة التشغيل دومًا جزءًا لا يتجزأ من سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، على اعتبار أنه لا يمكن الاهتمام بالجوانب المادية دون الجوانب البشرية، بحكم أن الهدف من التنمية في النهاية هو توفير القدر الكافي من سبل العيش الكريم للمواطن، وهو ما يتأتى إلا بتوفير فرص العمل لكل القادرين