يمكننا أن نسجل من خلال هذه الآليات العديدة والمتنوعة التي شكلت معالم السياسة الوطنية لتشغيل، واجب الاعتراف بكثافة وجدية وأهمية هذه الآليات والأنظمة والبرامج التي تم اعتمادها، بغض النظر عن نجاحها أو فشلها، ذلك أن النجاح أو الفشل في مثل هذه العمليات أمر مطروح وتتحكم فيه عدة عوامل داخلية وخارجية، مالية واقتصادية، وحتى سياسية. وهي العوامل التي كثيرًا ما كانت غير ملائمة للتطبيق الكلي والحسن لهذه البرامج خلال العشرية التسعينات في الجزائر، هذه العشرية التي عرفت فيها الجزائر، كما سبق وأشرنا عدة اختلالات ومشاكل أمنية واقتصادية، داخلية، بالإضافة إلى ضغوط المؤسسات المالية والتجارية الدولية، والتي كثيرًا ما عارضت بعض الإجراءات الموجهة للتكفل بالتشغيل بصفة عامة، وتشغيل الشباب بصفة خاصة، على اعتبار أنها ستزيد من الإنفاق الحكومي، وهو ما يتعارض مع توصيات ومبادئ هذه المؤسسات.
لكن هل يكفي كل هذا؟ ورغم أننا نثمن ونقدر الجهود التي قامت وتقوم بها الدولة للتخفيف من حدة ظاهرة البطالة، ولاسيما تلك الجهود المبذولة في تنويع آليات وأنماط التشغيل المختلفة، وفي مجال تشجيع وتسهيل إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، حيث أقامت الدولة من أجل ذلك وزارات خاصة بهذه المهمة. [1] فإننا نعتبر أن هذه الجهود لازالت غير كافية لبلوغ الغاية النهائية والمتمثلة في القضاء النهائي على هذه الظاهرة. رغم قناعتنا بأن هذا الهدف يضل صعب التحقيق في ظل معطيات تشير إلى استمرار زيادة الطلب على العمل بمستويات لازالت بعيدة عن المستويات الممكن تحقيقها الآن (هناك طلب يقارب 300.000 منصب شغل سنويًا، مقابل إمكانية حالية لا تتجاوز 90.000 منصب شغل) .
ومن أجل إعطاء المزيد من الفاعلية لمساهمة مكاتب التشغيل في وضع وتجسيد سياسات وبرامج تشغيل الشباب خاصة، فإننا نرى ضرورة:
1 ـ إنشاء بنك معلومات يتوفر على كافة الوسائل البشرية والتكنولوجية التي تسمح بتقديم التوجيه والاستشارة الفعالة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بهدف رفع قدراتها في التحكم في تنفيذ برامج ومشاريع تشغيل الشباب الباحث عن العمل، ومساعدة الشباب الذي يبادر بمشاريع صناعية أو تجارية أو خدماتية في إطار صناديق دعم تشغيل الشباب المعمول بها حاليًا في الجزائر.
2 ـ إشراك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة في مجال المقاولة، خاصة بالنسبة للشباب المتخرج من الجامعات والمعاهد التكنولوجية العليا، وجعلها مرتبطة بالمؤسسات الصناعية الكبرى، وذلك بإيجاد صيغ للدراسات والتمويل والمتابعة وتصريف المنتوجات نحو هذه المؤسسات المتخصصة في كل نوع من أنواع الإنتاج التكميلية، على غرار ما هو معول به في مختلف الدول المصنعة، أين يتم توزيع مجموعة من عناصر المنتوج على وحدات صغيرة ومتوسطة في شكل عقود مقاولة، وتفرغ المؤسسات صاحبة المشروع للأشغال والأعمال الكبرى.
3 ـ منح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الإمكانيات القانونية والمادية التي تمكنها من العمل على توسيع مجال عقود التشغيل المسبقة، وعقود التدريب والتمهين، ودعم المؤسسات التي تمارس هذا النمط من التشغيل بالحوافز المادية التي تسمح لها بالتحول إلى عقود عمل دائمة، كتسهيل الحصول على قروض بدون فوائد للاستثمار في مجال توسيع النشاط، أو حوافز جبائية، وشبه جبائية، عند اقتناء أو توسيع وسائل الإنتاج، لصالح المؤسسات الصناعية والمالية والتجارية بهدف توظيف أكبر قدر ممكن من الشباب المتخرج حديثًا من المعاهد الجامعية، ومراكز التكوين المهني، والمعاهد المتخصصة.
4 ـ توسيع إمكانيات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بإعطائها المزيد من الحوافز التشجيعية للشباب لخدمة الأرض، ومنحها تسهيلات التدخل في مجالات تسوية مشكل العقار، ومنح القروض بدون فوائد، أو فوائد مخفضة، والإعفاءات الجبائية ... الخ. باعتبار أن هذا القطاع يوفر مناصب عمل دائمة وقارة، ومستقلة. بهدف القضاء أو على الأقل التقليل من النزوح الريفي، من جهة. والمساهمة في ربح معركة الاكتفاء الغذائي من جهة ثانية.
5 ـ إشراك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجهود السياسية والإدارية والمالية التي تبذلها الدولة من خلال توسيع مجال نشاطها ليشمل مجال الاستشارة والمشاركة والتعاون الفعال مع المنظمات المهنية والنقابية، والمؤسسات التنفيذية والاستشارية، المعنية بموضوع البطالة، والتشغيل وسوق العمل بصفة عامة، حول وضع وتنفيذ مخطط وطني لمكافحة البطالة، [2] بهدف توحيد المناهج والقرارات ولآليات المعتمدة في ضمان نجاح البرامج التي تتمخض عنها عمليات البحث والدراسة لكل الإمكانيات الوطنية، ولاسيما على المستوى المحلي للحد من زحف هذه الظاهرة التي أصبح تشكل الخطر الأكبر، والمصدر الأول لكافة المخاطر الأمنية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الجزائري.
(1) من بين الدوائر الوزارية في الحكومة الجزائرية، هناك وزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. التي تشكل الإطار المركزي لتنظيم والإشراف على هذا الصنف من المؤسسات.
(2) لقد سبق لمصالح رئاسة الجمهورية الجزائرية، أن أعدت تقريرًا مفصلًا عن ظاهرة البطالة في الجزائر، وذلك سنة 1998، وقد طلبت بشأنه رأي علمي وعملي من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، في 17 مارس 1998. وقد عكف المجلس على دراسة هذا التقرير من خلال تكوين عدة خلايا للبحث والدراسة، مكونة من خبرائه وباحثيه، وقد أعد بشأنه مشروع رأي مصادق عليه في الدورة العامة الحادية عشر للمجلس، في جويلية 1998. قدم إلى مصالح رئاسة الجمهورية، تضمن مجموعة من التوصيات والاقتراحات البعض منها تأكيد لما جاء في التقرير المقترح للدراسة، والبعض الآخر من اقتراح المجلس.