والرأي الذي نركن إليه هو أنّ ما عند النحاس ت [338 هـ] توطئة لما عند الجرجاني ت [471 هـ] ، ودور النحاس إنّما كان التمهيد لنظرية النظم في بعض جزئياتها أو تعليلاتها، فلما جاء الجرجاني كوّن نظرة كلية رائدة، جمعت فأوعت، وحصرت الفكرة بكلّ أبعادها و دلالتها ورسّت منهجها وأسلوبها وجزئياتها المرتبطة بالمنهج. (138)
وقد أكدّ الجنابي أنّ الغاية المتوخاة منها هي جعل النظرية آيلة إلى بلورة صورة للمفاضلة بين المعاني التي ينتظمها علم النحو. (139)
وأما كتاب (المكتفي في الوقف و الابتداء) فهو لأبي عمرو الداني ت [444 هـ] الذي أشاد به علما ومكانة ابن خلدون في (المقدمة) فقال بأنّه بلغ الغاية في علم القراءآت، وانتهت إليه روايتها وأسانيدها، وتعدّدت تآليفه فيها حتى اشتهر في الأمصار، وانتشر ذكره وسار. (140)
وقد أخذ أبو عمرو الداني عن السابقين، فصرّح بأنّه اقتضبه عن أقاويل المفسرين، وكتب القراء و النحويين، واجتهد في جمع شتاته، وتمييز صحيحه، وإيضاح مشكله، وحذف الزائد، واختصر وقرب المعاني ما استطاع إلى ذلك سبيلا. (141)
لقد حققه (جايد زيدان مخلف) وحصل به على شهادة الماجستير في الدراسات اللغوية من جامعة الأزهر بالقاهرة عام [1977 م] (142) ، وقد أثبت بما لا مجال فيه للشك بأنّه متأثر إلى حدّ كبير بكتاب النحاس الآنف الذكر، لكونه سابقا له في الزمان، وكون الداني لا يستنكف أن يذكر أنّه أخذه عن السابقين و لخصّه تلخيصا دقيقا جمع فيه شتات ما عندهم (143) ، وقد ألفه حين انتشرت كتب النحاس، وتداول أهل العلم كتابه فدار في