الصفحة 15 من 21

سابعا: استعمل أمورا تحفظ للمرأة كرامتها؛ حيث قال: (أنْ تضل) بترجيح قراءة (أن) على قراءة (إنْ) ، ثم استعمل مادة (ضلل) وهي أقل عيبا دون (نسي) التي هي أشد، حتى إنه في المقابل قد استعمل في جواب الشرط المحتمل- برجاحة قراءة (فتُذْكِرَ) ، وبالنصب الدال على التقييد بوقوع فعل الشرط، على قراءة التضعيف (فتُذَكّرَ) ، ثم عدم ذكر حتمية أن تضل إحداهماُ ثم ضمانة أنما لا تجتمعان على ضلالة، وهذا -عندي- مدح لا ذم، وضمانة أن الإذكار لا يخرج عنهما، دون الحاجة إلى رجل.

ثامنا: إن عدم الاكتفاء في هذه الحال بامرأتين دون ذلك الرجل، الذي لم يتيسر معه رجل ءاخر، حتى لا ينقلب مقصد أدنى على مقصد أعلى؛ فتمتهن المرأة مع المرأة، ويستغنى عن الرجال، إنما روعى الترتيب الذي بدأ الله به.

تاسعا: وبناء على هذا -فإنني لا أجد دليلا يطعن في صحة شهادة المرأةتين معا دون أي رجل معهما إلا رتبة المقاصد، وإن كانت شهادة المرأتين تعدل الرجلين الاثنين لا الرجل الواحد شرعا- بما تقرر من حقائِق ومسلمات!.

عاشرا: إن النص القرءاني لم يذكر لا صراحة، ولا ضمنا- أن شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل، فمن أين قال الناس ما قالوا، واعتقدوا ما اعتقدوا، وقضوا بما قضوا؟!.

وخلاصة الشاهد الذي يقصد إليه البحث هنا- هو أن استعمال مادة (ضلل) في هذا السياق يؤيد أن الضلال أخف عيبا من النسيان.

وعندما يرد الضلال في مواضع قرءانية يجب النظر فيها لامتحان هذه القاعدة الدلالية لتقرير مدى صحتها وسلامتها، ويحسن ذلك كلما قورن بالنسيان كبديل. حتى إن ذلك ليتضح كلما تدبرنا في هذه المواضع لنتساءل أكان استعمال الضلال والنسيان، كلا في رتبته ومكانه استعمالا بلاغيا سليما؛ بحيث لا يستقيم المعنى إذا تبادلا المواضع فيما بينهما؟. إن القاعدة التي يقررها البحث هي: أن الضلال الذي ينسب للإنسان عيب، لكن النسيان الذي ينسب إليه أشد عيبا، لأن النسيان هو التمادي في الضلال؛ فالضلال بداية فطرية في الإنسان بسبب أنه يخرج في الدنيا لا يعلم شيئا، وباكتسابه العلم يهتدي، وذلك يفهم من نحو قوله تعالى:"قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي" [سبأ 50] ، ونحو قوله تعالى لمحمد -صلى الله عليه وسلم-:"ووجدك ضالا فهدى" [الضحى 7] ، ونحو قوله:"بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان" [الحجرات 17] .

أما النسيان فإنه أكبر عيبا من الضلال، وأشد خطرا، بما استحق سؤال المؤمنين ربهم هذا السؤال:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، حتى كان الحديث:"عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت