الصفحة 16 من 21

استكرهوا عليه" [1] . وهذا دليل أن النسيان شديد غلب الإنسان عليه، ولم يتعمده، أما إنه إذا كان عمدا، فهو هذا العيب الكبير الذي هو أعظم من الضلال جرما وذما وسوءا. فإن قيل: هل تستقيم هذه القاعدة عند قوله تعالى:"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" [الفاتحة 7] ، أي: كيف يكون الضلال هنا أهون من النسيان؟، قلت: لا عجب، لأن هؤلاء المصلين يسألون ربهم الصراط المستقيم الذي ليس فيه أدنى عيب؛ فالمقام يقتضي ذلك الحرص الشديد، ولا يعقل أن يحذروا العيب الكبير دون الصغير؛ ومن ثم كان استعمال الضلال هنا سليما دقيقا، لا يخالف القاعدة الدلالية التي تفرق بينه وبين النسيان!. وزيادة في اليقين للتسليم بصحة هذه القاعدة- كان استعمال الضلال في نحو قوله تعالى:"وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنيهم ولآمرنهم .." [النساء 118 - 119] استعمالا سليما من حيث الدلالة؛ حيث أن الشيطان -لعنه الله- يبدأ به لابن ءادم ويشده ويبتعد به حتى يكون في ضلال بعيد، بعد أن اتبع خطواته. كما أن نحو قوله تعالى:"ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير" [الحج 3 - 4] ، و"إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" [فاطر 6] ، يزيد هذه الحقيقة جلاء. وإذا استهان الأشقياء، وهم في العذاب، بسبب عذابهم وحسبوا أنهم لم يأتوا بذنب كبير يستلزم كل ما هم فيه، فقالوا بروح السخط والاعتراض والجدل:"قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين" [المؤمنون 106] ، أي أنهم يعذرون أنفسهم، وكأنهم مظلومون: (غلبت علينا شقوتنا) ، وأنهم لا ذنب لهم ويسلمون أنهم لم يجدوا من يهديهم إلى الحق لأنهم كانوا: (قوما ضالين) ؛ استهزاء منهم بعيبهم، إذ لم يعْدُ كونه ضلالا، وأنهم لا يؤاخذون به وهو عيب هين، لو أطال الله عمرهم أكثر لكانوا مهتدين، ومؤمنين، ومتقين، ومحسنين، ويعدون ربهم بأنهم سينصلحون، لكن المهم أن يتخلصوا من هذا العذاب الذي يعتبرون أنفسهم فيه مظلومين، فقالوا:"ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون" [المؤمنون 107] ، فإذا باليأس والإبلاس يقطع أملهم، لأن الله يصرح لهم بالحقيقة، بأن ذنبهم كبير، لأنه نسيان لا ضلال، فيقول لهم قولا مهينا:"اخسؤوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري" [المؤمنون 110] ؛ فكان النسيان هو سبب عاقبتكم السوأى. وفي هذا الموضع بيان أن نسيان يوم الحساب هو السبب الذي يورد صاحبه العذاب الشديد:"يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب" [ص 26] . وكذلك كان النسيان -لا الضلال ولا الإضلال- هو العمل الذي أورد الناسي حق ربه، ولقاء ربه،"

(1) - (جامع العلوم والحكم) لابن رجب الحنبلي، روى فيه هذا القول:"حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت