حاجات الإنسان كفرد ليست كلها مادية و لكن تحتوي أيضا على العلم و الثقافة و حق التعبير و الحفاظ على البيئة و ممارسة الأنشطة و حق المشاركة في تقرير شؤون الأفراد بين الأجيال الحالية و المقبلة [1] .
لكن تعريف التنمية يظل مرتبطا دائما بالخلفية العلمية و الإستراتيجية النظرية، فعلماء الاقتصاد مثلا يعرفونها بأنها الزيادة السريعة في مستوى الإنتاج الاقتصادي عبر الرفع من مؤشرات الناتج الداخلي الخام. في حين عرفها علماء الاجتماع على أنها تغييرا اجتماعي يستهدف الممارسات و المواقف بشكل أساسي، و هذا ما يسير على دربه المتخصصون في التربية السكانية، وبذلك فانه لا يوجد تعريف موحد للتنمية و هذا الاختلاف الذي يبصم مفهومها هو الذي سيدفع بعدئذ إلى عملية استدماج مفاهيمي يلح على أن التنمية هي كل متداخل و منسجم و انه تكون ناجعة وفعالة عندما تتوجه في تعاطيها مع الأسئلة المجتمعية إلى كل الفعاليات المعبرة عن الإنسان و المجتمع عبر مختلف النواحي الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية ... الخ. [2]
يعود أصل مصطلح الاستدامة في علم الايكولوجي و في المفهوم التنموي استخدم مصطلح الاستدامة للتعبير عن طبيعة العلاقة بين علم الاقتصاد وعلم الايكولوجي على اعتبار أن العاملين مشتقين من نفس الأصل الإغريقي، حيث يبدأ كل منهما بالجذر Eco الذي يعني في العربية البيت أو المنزل و المعنى العام للمصطلح ecology هو دراسة مكونات البيت، أما في المفهوم اللغوي للاستدامة تعني ديمومة الشيء أي تأني الشيء و طلب دوامة [3]
و بذلك فالاستدامة هو ضمان ألا يقل الاستهلاك مع مرور الزمن و لكن ماذا يلزم لتحقيق ذلك؟ تبين أن قدرة بلد ما على الاستدامة بمعنى أن تدفق الاستهلاك و المنفعة يتوقف على التغيير في رصد الموارد أو الثروة و ارتفاع الرفاهية بين الأجيال يأتي مع ازدياد الثروة مع مرور الوقت و في ظل وجود بدائل و إحلال محتمل بين الموارد على مر الزمن.
إن الذي يتحدث عن التنمية المستدامة كمفهوم فإنه يعود الفضل في نحته إلى الباحث الباكستاني"محبوب الحق"و الباحث الهندي"أمرتاياس"و ذلك من خلال فترة عملهما في إطار البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فالتنمية المستدامة بالنسبة إليهما تنمية اقتصادية اجتماعية وليست تنمية اقتصادية فحسب تجعل الإنسان منطلقها و غايتها، و نتعامل مع الأبعاد البشرية أو الاجتماعية للتنمية باعتبارها العنصر المهيمن و ننظر للطاقات المادية كشرط من شروط تحقيق التنمية المستدامة. كما أن الوزير النرويجي كروهارلم برينتلاند GRO HARLEM BRUNTLAND لعب دورا هاما في ترسيخ هذا المفهوم و تحديد ملامحه الكبرى، ففي سنة 1987 يصدر تقرير الأمم المتحدة حاملا اسم برونتلاند يلح على أن التنمية يفترض فيها تلبية الحاجات الملحة الحالية دون التفريط في الحاجيات المستقبلية وهذا كله يقضي بنا إلى التأكيد على أن التنمية المستدامة تمثل التنمية استنادا إلى منطق التوزيع العادل للثروات وتحسين الخدمات و مناخ الحريات و الحقوق، و ذلك في توازن تام مع التطوير دونما اضطرار بالمعطيات و الموارد الطبيعية و السياسية بشكل عام. إنها بهذه الصيغة تنمية موجهة لفائدة المجتمع بشكل عام, حيث تعطي الاعتبار إلى حاجيات المجتمع الحالي مع الأخذ بعين الاعتبار حق الأجيال القادمة و هذا ما يبصمها بطابع الاستدامة [4] .
(1) خالد مصطفى قاسم، إدارة البيئة والتنمية المستدامة في ظل العولمة المعاصرة، الدار الجامعية، الإسكندرية،2007، ص 19.
(2) علاق محمد، التنمية المستدامة في المؤسسات الاقتصادية -دراسة حالة فرتيال /أسميدال عنابة- مذكرة ماجستير، كلية العلوم الاقتصادية و علوم التسيير، جامعة باجي مختار، عنابة، 2008/ 2009، ص 4 - 5.
(3) خالد مصطفى قاسم، نفس المرجع السابق، ص 91 - 92.
(4) علاق محمد، مرجع سبق ذكره، ص 5 - 6.