وفي ظل هذا الأنين الذي تعيشه بلاد المسلمين ظهرت مصارف إسلامية ترفض الربا الصريح المبني على القرض بفائدة، وأوجدت بديلًا يصرف -في زعمها- عن القرض الحرام، ويجر إلى اقتصاد إسلامي سليم من أكل أموال الناس بالباطل وخال من شوائب الربا، وفي طليعة تلك البدائل ما اصطلح على تسميته ب: «البيع بالمرابحة» .
وإنّ إدارة موقع الشيخ أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله- قد اطَّلعت على ما كتبه صاحب المقال الموسوم ب: «الرد الصريح على ما يثار حول البنوك الإسلامية من قدح وتجريح» حيث دافع على حِلّية المرابحة البنكية، ونافح عنها، وحاول إعطاء صبغةٍ شرعيةٍ عمَّا تجريه البنوك الإسلامية -زعموا- ببحوث سِمتها الغالبة جمع أقوال الفقهاء في المسائل المختلف فيها بلا تمحيص ولا تنظير ولا تحرير ولا ترجيح، وتدرع بالخلاف لمحاجّة المنكِر، ولا يخفى عند العقلاء وأهل النظر أنَّ معرفة الخلاف والإحاطة به ليس وحده فِقهًا، كما أنَّ المنصب والولاية لا تُصيِّر غير العالم عالما، قال ابن عبد البر-رحمه الله-: «الاختلاف ليس بحجة عند أحد عَلِمْتُه من فقهاء الأمة إلاّ من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله» (4 - «جامع بيان العلم» لابن عبد البر:(2/ 89 ) ) ، وقال ابن تيمية -رحمه الله-: «والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالما مجتهدًا عالما مجتهدًا، ولو كان الكلام في العلم والدين بالولايات والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيَه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين، فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدّعي ذلك لنفسه ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلاّ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى طوره، ولا يقيم نفسه في منصب لا يستحق القيام فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -وهم الخلفاء الراشدون-، فضلًا عمّن هو دونهم فإنهم رضي الله عنهم إنما كانوا يُلزمون الناس باتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم» (5 - «مجموع الفتاوى» لابن تيمية:(27/ 296 - 297 ) ) .
لذلك اقتضى الموقف الشرعي من إدارة موقع الشيخ -حفظه الله- أن تنشر بحثًا مفصَّلًا يجلّي صورة المرابحة البنكية وحقيقتها ويبيّن حكمها، ويفصّل في الوقت ذاته ما أفتى به شيخنا -حفظه الله- في الفتوى رقم: (465) بعنوان: «في الاقتراض من البنوك الإسلامية» ، مع إنصاف المخالف عملًا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] . قال ابن تيمية -رحمه الله-: «والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلاَّ الحق وألا نقول عليه إلاَّ بعلمٍ، وأمرنا بالعدل والقسط فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلًا عن