ولما دخل أبو الدرداء الشام قال:"يا أهل الشام اسمعوا قول أخ ناصح فاجتمعوا إليه فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا وجمعوا عتيدًا فأصبح جمعهم بورا وأملهم غرورا ومساكنهم قبورا".
ويقول الإمام الغزالي:"عليك أن تجتنب طول أملك فإنه إذا طال هاج أربعة أشياء:"
الأول: ترك الطاعة والكسل فيها. يقول سوف أفعل والأيام بين يدي.
والثاني: ترك التوبة وتسويفها. يقول سوف أتوب وفي الأيام سعة.
والثالث: الحرص على جمع الأموال والاشتغال بالدٌنْيَا عن الآخرةِ يقول أخاف الفقر في الكبر وربما أضعف عن الاكتساب ولا بد لي من شيء فاضل أدخره لمرض أو هرم أو فقر ونحوه.
والرابع: القسوة في القلب والنسيان للآخرة, لأنك إذا أملت العيش الطويل لا تذكر الْمَوْت والقبر"."
ويقول أحد العلماء:"أربعة من الشقاء: جمود العين وقسوة القلب وطول الأمل، والحرص على الدٌنْيَا".
وقال آخر:"اعلم أن قصر الأمل عليه مدار عظيم وحصن قصر الأمل ذكر الْمَوْت، وحصن حصنه ذكر فجأة الْمَوْت وأخذ الإنسان على غرة وغفْلة وهو في غرر وفتور عن العمل للآخرة".
وقال أحدُهم:"أعلم أن حب الدٌنْيَا يندر من يسلم منه، وهو ينبعث من طول الأمل لأن الإنسان يقول الأيام بين يدي وأفعل غدًا كذا وبعد غد سأفعل وأتمتع بالدٌنْيَا والتوبة مفتوح بابها وتتمادى به الأيام في جمع الأموال وبناء القصور ونحو ذلك وتشعب آماله إلى أن ينسى أن النفس الواحد يبعده من الدٌنْيَا ويدنيه من الآخرة".
ولذلك، يقول الشاعر:
وَلا تُؤخِّرْ إذا ما حَاجَةٌ عَرَضَتْ ... فَهُمْ يَقُولُون لِلتَّأخير آفاتُ
... ويقول آخر:
ألا ياأيها المغرور ما لك تلعب؟ تؤمل آمالًا وموتك أقرب
وتعلم أن الحرص بحر مبعد سفينته الدٌنْيَا فإياك تعطب
وتعلم أن الْمَوْت ينقض مسرعًا عليك يقينًا طعمه ليس يعذب
وعلى ذلك، فإن على المسلم أن يستحضر دائماٌ قصر أجله في الدٌنْيَا، أى أن يستشعر قرب الْمَوْت، وذلك أن من استشعر قرب الْمَوْت بادر إلى الزهد والطاعة والتوبة. ولذلك قيل: من قصر أمله قل همه وتنور قلبه.
أما من استشعر طول الأجل والأمل، واسترسل في ذلك ولم يستعد للموت بادر الى الكسل والتسويف والتراخى ونسيان الآخرة.