وقد يأتى الْمَوْت للفرد فجأة بدون مقدمات وبدون معاناة من أى مرض, وفى أى سن، فالْمَوْت لا يقتصر على سن دون آخر.
فَلَم يَسْتَطِعْ إِِذْ جَاءَهُ الْمَوْت بَغْتَةً ... فِرَارًا وَلا مِنْهُ بِحِيلتِهِ امْتَنَعْ
فَاصبَحَ تبكيهِ النِّسَاءُ مُقَنَّعًا ... وَلا يَسْمَعُ الدَّاعي وَلَوْ صَوْتُهُ رَفَعْ
فَلا يَتْرُكُ الْمَوْت الغَنيَّ لِمَالِهِ ... وَلا مُعْدِمًا فِي المَالِ ذا حَاجِةٍ يَدَعْ
ولذلك، فقد حثنا رسول الله r على الاستعداد للموت والاكثار من ذكره في جميع الأوقات ومختلف الحالات, حيث يقول الرسول r:"أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَازمِ اللَّذَّاتِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ فِي كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ, وَلَا قَلِيلٍ إِلَّا جَزَلَهُ" (رواه الطبرانى) .
ويُعتبر الاستعداد للموت من علامات رجاحة العقل, فالعاقِل هو الذى يُدرك الخطر قبل وقوعه وغير العاقِل هو الذى لا يدركه إلا بعد وقوعه. ولذلك, فإنه كلما نما عقل الإنسان أدرك الْمَوْت وما بعده قبل أن يأتيه الْمَوْت, وكلما ضعف عقله لم يُدرك الْمَوْت وما بعده إلا بعد وقوعه, وإدراك الْمَوْت أو الحقيقة بعد وقوعها أمر لا قيمة له, ففرعون أدرك الحقيقة، فقال:"آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ"... (يونس: 90) , ولكن بعد فوات الأوان، ولذلك جاء الرد الالهى:"آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المُفْسِدِينَ" (يونس: 91) .
ومن هنا كانت أهمية هذا الكتاب الذى يلقى الضوء على حقيقة الدٌنْيَا وما تنطوى عليه من غرر وضرر وزوال، ثم بيان حقيقة الْمَوْت وما ينطوى عليه من هول وخطر وشدة، وفضل الاكثار من ذكره وأثر ذلك على المسلم في الدٌنْيَا والآخرة, بالإضافة إلى التأكيد على أن العاقِل هو الذى يُدرك حقيقة كل من الدٌنْيَا والآخرة ويعمل للحظة الْمَوْت وما بعدها.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل عملنا هذا صالحًا ولوجهه خالصًا.
أ. د. عصام أبو النصر
أستاذ ورئيس قسم المحاسبة والمراجعة
كلية التجارة - جامعة الأزهر
يقول الحق تبارك وتعالى:
ـ"وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الحَيَاةِ الدٌنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا" (الكهف:45) .