أما أعوذ: فقد نقل عن حمزة فيه استعيذ ونستعيذ واستعذت ولا يصح، وقد اختاره بعضهم كصاحب الهدايةه من الحنفية، قال لمطابقة لفظ القرآن، يعنى قوله ( فاستعذ بالله ) . وليس كذلك، وقول الجوهري: عذت بفلان واستعذت به أي لجأت إليه، مردود عند أئمة اللسان، بل لا يجزى ذلك على الصحيح كما لا يجز أعوذ ولا تعوذت، وذلك لنكتى ذكرها الإمام الحافظ العلامة أبو أمامة محمد بن على بن عبد الواحد بن النقاش رحمه الله تعالى في كتابه ( اللاحق السابق والناطق الصادق في التفسير) فقال: بيان الحكمة التي لأجلها لم تدخل السين والتاء في فعل المستعيذ بالماضي والمضارع، فقد قيل له: استعذ، بل لا يقال: أعوذ دون استعيذ وأتعوذ واستعذت وتعوذت، وذلك أن السين والتاء شأنهما الدلالة على الطلب فوردتا في الأمر إيذانا بطلب التعوذ فمعنى استعذ بالله اطلب منه أن يعيذك فامتثال الأمر هو أن يقول: أعوذ بالله، لأن قائله متعوذ ومستعيذ قد عاذ والتجأ، والقائل: أستعيذ بالله ليس بعائذ إنما هو طالب العياذ به كما تقول: استخير الله أي أطلب خيرته، واستقيله أي أطلب إقالته، واستغفره أي اطلب مغفرته، فدخلت في فعل الأمر إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ به، فإذا قال المأمور: أعوذ بالله، فقد امتثل ما طلب منه، فإنه طلب منه نفس الاعتصام والالتجاء، وفرق بين الاعتصام وبين طلب ذلك، فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصمًا بالله أتى بالفعل الدال على طلب ذلك فتأمله، قال: والحكمة التي لأجلها امتثل المستغفر الأمر بقوله: استغفر الله، أنه طلب منه أن يطلب المغفرة التي لا تتأتى إلا منه بخلاف العياذ واللجأ والاعتصام وامتثل الأمر بقوله: استغفر الله أى اطلب منه أن يغفر لي. ولله دره ما ألطفه وأحسنه.
فإن قيل: فما تقول في الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره، حدثنا أبو كريب، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمار، ثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: أول ما نزل جبريل على محمد، قال: يا محمد: استعذ، قال: استعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، اقرأ باسم ربك. قال المحقق: ما أعظمه مساعدًا لمن قال به لو صح فقد قال شيخنا الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله بعد إيراده. وهذا الإسناد غريب، قال: وإنما ذكرناه ليعرف فأن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا.