وأما قول من قال: إنه من قول من كان مع الحواريين ، فبعيد ؛ لخروجه عن ظاهر الآية ، ولا سيما أن تفسير الآية مستقيم غاية الاستقامة على ما ذكرنا.
وهذا السؤال إما لفقرهم وحاجتهم ، وإما لتعرف فضل نبيهم عيسى ، وفضلهم وكرامتهم عند ربهم.
وأما ما روي أن عيسى أمرهم بصيام ثلاثين يومًا ، ثم ليسألوا ربهم ما يشاءون ، فصاموا وسألوا ، فلست منه على ثلج {قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} .
ليس هذا شكا في إيمانهم ، وإنما هو أسلوب معهود ، حملا على التقوى ، كما قال تعالى في حق المؤمنين الصادقين ، من هذه الأمة المحمدية: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} 1 والمعنى: اتقوا الله ولا تسألوه ، فعسى أن يكون فتنة لكم ، وتوكَّلوا على الله في طلب الرزق ، أو اتقوا الله ودعوا كثرة السؤال ؛ فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عن اقتراح الآيات ؛ لأن الله سبحانه إنما يفعل الأصلح لعباده {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} ، من أهل الإيمان بالله ورسله ، ولا سيما أنه سبحانه آتاكم من الآيات ما فيه غنية عن غيره {قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} بدأوا بالغذاء المادي ، ثم ثنوا بالغذاء الروحي ، فقالوا: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} ، وهو مثل قول الخليل إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} . {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} أي: نزداد علما ، ويقينًا بصدقك ، وحقيقة رسالتك: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي: المقرين المعترفين لله بالوحدانية ، ولك بالنبوة ، والرسالة ، أو: من الشاهدين عليها لمن لم يرها ويعاينها.
{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} .
العيد: يوم الفرح والسرور ، {لِأَوَّلِنَا} : لأول أمتنا ، {وَآخِرِنَا} : لآخر أمتنا أو لنا ، ولمن بعدنا.