فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 139049 من 466147

وَخَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْقَوْمِ يُنْبِئُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعِيسَى، إِذْ قَالَ لَهُمُ: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} ، فَقَدْ أَنْبَأَ هَذَا مِنْ قِيلِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى قَدْ صَدَقَهُمْ، وَلَا اطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ، فَلَا بَيَانَ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فِي أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ خَالَطَ قُلُوبَهُمْ مَرَضٌ وَشَكٌّ فِي دِينِهِمْ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِمْ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوا مَا سَأَلُوا مِنْ ذَلِكَ اخْتِبَارًا [1] .

وَأَمَّا الْمَائِدَةُ فَإِنَّهَا الْفَاعِلَةُ، مِنْ مَادَ فُلَانٌ الْقَوْمَ يَمِيدُهُمْ مَيْدًا: إِذَا أَطْعَمَهُمْ وَمَارَهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

[البحر الرجز]

نُهْدِي رُءُوسَ الْمُتْرَفِينَ الْأَنْدَادْ ... إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُمْتَادِ

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: الْمُمْتَادِ: الْمُسْتَعْطِي، فَالْمَائِدَةُ الْمُطْعِمَةُ سُمِّيَتِ (الْخِوَانِ) بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تُطْعِمُ الْآكِلَ مِمَّا عَلَيْهَا. وَالْمَائِدُ: الْمُدَارُ بِهِ فِي الْبَحْرِ، يُقَالُ: مَادَ يَمِيدُ مَيْدًا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، فَإِنَّهُ يَعْنِي: قَالَ عِيسَى لِلْحَوَارِيِّينَ الْقَائِلِينَ لَهُ: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} : رَاقِبُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْقَوْمُ، وَخَافُوا أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِنَ اللَّهِ عُقُوبَةٌ عَلَى قَوْلِكُمْ هَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَفِي شَكِّكُمْ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إِنْزَالِ مَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ كُفْرٌ بِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ يُنَزِّلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ.

{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَلَى مَا أَتَوَعَّدَكُمْ بِهِ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} .

[1] يقول ابن القماش:

المقام مقام امتنان، وتعديد للنعم من قوله تعالى: (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ) [المائدة: 110] إلى قوله تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ(111) .

وهل يمتن الله على عيسى - عليه السلام - بقوم آمنوا ثم شكوا في قدرة الله فكفروا بذلك؟؟!!!

قال زين الدين محمد بن أبي بكر الرازي:

فإن قيل: كيف قال الحواريون (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) [المائدة: 112] شكوا في قدرة الله تعالى على بعض الممكنات وذلك كفر، ووصفوه بالاستطاعة وذلك تشبيه؛ لأن الاستطاعة إنما تكون بالجوارح، والحواريون خلص أتباع عيسى عليه السلام والمؤمنون به بدليل قوله تعالى حكاية عنهم (قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ) [المائدة: 111] .

قلنا: هذا استفهام عن الفعل لا عن القدرة، كما يقول الفقير للغني القادر: هل تقدر أن تعطيني شيئا، وهذا يسمى استطاعة المطاوعة لا استطاعة القدرة، أو المعنى: هل يسْهُل عليك أن تسأل ربك؟ كقولك لآخر: هل تستطيع أن تقوم معي؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك.

فإن قيل: لو كان المراد هذا المعنى فلم أنكر عليهم عيسى عليه السلام بقوله: (قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة: 112] ؟

قلنا: إنكاره عليهم إنما كان لأنهم أتوا بلفظ يحتمل المعنى الذي لا يليق بالمؤمن المخلص إرادته وإن كانوا لم يريدوه.

اهـ (أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل. 1/ 79 - 80) .

وقد تقدم الرد على ذلك مفصلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت