فهرس الكتاب
إذن: فالمادة تنفعل بانفعال القيم ، وما دامت القيم فاسدة فالمادة التي يتكون منها جسده تكون متمردة على صاحبها ؛ لأن المادة بطبيعتها عابدة مسبحة لله ، وكذلك الروح بطبيعتها عابدة مسبحة لله تعالى ، ولا ينشأ الفساد إلا بعد أن توضع الروح في المادة ، ثم تتكون النفس من الاثنين معاً ، المادة والروح ، فإن غلَّبت النفس النفس منهج الله صارت مطمئنة ، وإن تأرجحت النفس بين الطاعة والمعصية ، فإما أن تطيع فتكون نفساً لوامة ، وإما أن تكفر وتتخذ طريق الشر فتكون نفساً أمارة بالسوء . أما قبل أن تنفخ الروح في المادة ، فكل منها مسبح لله تعالى ؛ لأن كل شيء في الوجود عابد مسبح ، والنفس في كل سلوكها مقهورة لإرادة صاحبها بتسخير من الله عز وجل ، وحين يأتي الموت ، تنتهي الإرادة البشرية وتسقط سيطرة الإنسان على جسده ، بل إن هذا الجسد يشهد على صاحبه يوم القيامة . والإنسان في الحياة الدنيا يعيش وإرادته تسيطر على مادته بأمر من الله ، فاليد قد تضرب إنساناً ، وقد تعين إنساناً آخر وقع في عسرة ، ولسان المسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، ولسان الكافر يشرك مع الله آلهة أخرى .
إذن: فمادة الإنسان خاضعة لإرادة صاحبها في دنيا الأغيار ، فإذا انتقل إلى الآخرة فلا تأثير له على المادة ، وتتحرر المادة من طاعة صاحبها في المعصية ، وتتمرد عليه ، وتشهد على صاحبها بأنه كان يستخدمها في المعصية . والحق سبحانه وتعالى يقول: {حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 20 - 21] .