فهرس الكتاب
وحين قام أهل الذمة بالمشاركة في الذود عن بلادهم أسقط عنهم المسلمون الجزية ، كما صنع معاوية رضي الله عنه مع الأرمن ، يقول لوران المؤرخ الفرنسي في كتابه"أرمينية بين بيزنطة والإسلام":"إن الأرمن أحسنوا استقبال المسلمين ليتحرروا من ربقة بيزنطة ، وتحالفوا معهم ليستعينوا بهم على مقاتلة الخزر ، وترك العرب لهم أوضاعهم التي ألفوها وساروا عليها ، والعهد أعطاه معاوية سنة 653م ، إلى القائد تيودور رختوني ولجميع أبناء جنسه ما داموا راغبين فيه ، وفي جملته: (أن لا يأخذ منهم جزية ثلاث سنين ، ثم يبذلون بعدها ما شاؤوا ، كما عاهدوه وأوثقوه على أن يقوموا بحاجة خمسة عشر ألف مقاتل من الفرسان منهم بدلا من الجزية ، وأن لا يرسل الخليفة إلى معاقل أرمينا أمراء ولا قادة ولا خيلا ولا قضاة... وإذا أغار عليهم الروم أمدهم بكل ما يريدونه من نجدات. وأشهد معاويةُ الله على ذلك) . (37) "
ولا يتوقف حق أهل الذمة على دفع العدو عنهم ، بل يتعداه إلى دفع كل أذى يزعجهم ، ولو كان بالقول واللسان ، يقول القرافي:"إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقاً علينا لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا (حمايتنا) وذمتنا وذمة الله تعالى ، وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودين الإسلام ، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة ، فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذمة دين الإسلام". (38)
وواصل المسلمون بهدي من دينهم عطاءهم الحضاري حين تحولوا من آخذين للجزية إلى باذلين للمال رعاية وضماناً للفقراء من أهل الذمة ، فقد روى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من أهل الجزية يسأل الناس فقال: ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك ، ثم نأخذ منك الجزية ، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير. (39) وكان مما أمر به رضي الله عنه:"من لم يطق الجزية خففوا عنه ، ومن عجز فأعينوه". (40)