فهرس الكتاب
هذا وقد فصّل بعض الحنفيّة بين أمصار المسلمين وبين القرى، فقالوا: لا يمنعون من إظهار شيءٍ من بيع الخمر، والخنزير، والصّليب، وضرب النّاقوس في قريةٍ أو موضعٍ ليس من أمصار المسلمين، ولو كان فيه عدد كثير من أهل الإسلام، وإنّما يكره ذلك في أمصار المسلمين؛ وهي الّتي تقام فيها الجمع والأعياد والحدود؛ لأنّ المنع من إظهار هذه الأشياء لكونه إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام، فيختصّ المنع بالمكان المعدّ لإظهار الشّعائر وهو المصر الجامع.
وفصّل الشّافعيّة بين القرى العامّة والقرى الّتي ينفرد بها أهل الذّمّة، فلا يمنعون في الأخيرة من إظهار عباداتهم.
ومما ينبغي أن يعلم أن أخذ الجزية منهم وتركهم على عقيدتهم وعبادتهم ممتد إلى زمن معين ثم لا تقبل منهم الجزية، ولا يقبل منهم إلا الإسلام، وهذا عند نزول المسيح -عليه السلام-، فعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم -صلى اللَّه عليه وسلم- حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضح الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها"ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) } (النساء: 159) .
فقوله:"حكمًا مقسطًا"أي: حاكمًا، والمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى -عليه السلام- حاكمًا من حكام هذه الأمة، (والمقسط العادل بخلاف القاسط فهو الجائر) .