{وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب} [الحج: 73] .
فإن جاءت ذبابة على أي طعام ، وأخذت بعضاً من الطعام ، فهل يستطيع أحد أن يستخلص من الذبابة ما أخذته؟
لا ، كذلك نرى ضعف الاثنين: الطالب والمطلوب .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] .
فالإحكام لا يتناقض مع التفصيل ؛ لأن الحق سبحانه هو الذي أحكم ، وهو سبحانه الذي فصَّل ، وهو سبحانه حكيم بما يناسب الإحكام ، وهو سبحانه خبير بما يناسب التفصيل ، بطلاقة غير متناهية .
وهو سبحانه حكيم يخلق الشيء مُحْكماً لا يتطرق إليه فساد ، وهو سبحانه خبير عنده علم بخفايا الأمور .
ويقول الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى:
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير} [الأنعام: 103] .
فالله سبحانه لا تدركه عين ، وعينه سبحانه وتعالى لا تغفل عن أدق شيء وأخفى نية .
إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى:
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] .
يبيِّن لنا أن القرآن كلام الله القدير الذي بُني على الإحكام ، ونزل مُحْكماً جملة واحدة ، ثم جاءت الأحداث المناسبة لينزل من السماء الدنيا نجوماً مفصلة تناسب كل حدث .
وأحكام الكتاب ثم تفصيله له غاية ، هي الغاية من المنهج كله ، ويبيِّنها الحق سبحانه في الآية التالية: {أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله}
{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) }
إذن: فقد أحكمت آيات الكتاب وفصِّلت لغاية هي: ألا نعبد إلا الله .
والعبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر ، وفيما نهى .