وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: «أَلَّا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ» عَلَى مِثَالِ:"تَحْلَولِي الثمرة"،"تَفْعَوْعِل".
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: «أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ» قَالَ: كَانُوا لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ وَلَا الْغَائِطَ إِلَّا وَقَدْ تَغَشَّوْا بِثِيَابِهِمْ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْضُوا بِفُرُوجِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ""
وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ"تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمُ: الشَّكُّ فِي اللَّهِ وَعَمَلُ السَّيِّئَاتِ".
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} عَلَى مِثَالِ «يَفْعَلُونَ» ،
وَالصُّدُورُ نُصِبَ بِمَعْنَى: يَحْنُونَ صُدُورَهُمْ وَيَكْنُونَهَا.
[عن] الضَّحَّاك، فِي قَوْلِهِ:" {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} "
يَقُولُ: تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ""
وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الضَّحَّاكُ عَلَى مَذْهَبِ قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَّا أَنَّ الَّذِيَ حَدَّثَنَا هَكَذَا ذَكَرَ الْقِرَاءَةَ فِي الرِّوَايَةِ. فَإِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا. فَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاللَّهِ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا تُضْمِرْهُ نُفُوسُهُمْ أَوْ تَنَاجُوهُ بَيْنَهُمْ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} بِمَعْنَى: لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ: {مِنْهُ} عَائِدَةٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَجْرِ لِمُحَمَّدٍ ذِكْرٌ قَبْلُ. فَيُجْعَلْ مِنْ ذِكْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَتْ بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَى.
وَإِذَا صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُمْ لَمْ يُحْدِّثُوا أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بِجَهْلِهِمْ بِهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ سِرُّ أُمُورِهِمْ وَعَلَانِيَتِهَا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانُوا